«أبناء الشمس».. رؤية أخرى

الدولة المتقدمة فى فكرها وإدارتها هى التى تتحقق فيها الرعاية المثالية للفئات الضعيفة والمهمشة، مثل ذوى الإعاقة والأيتام وأطفال الشوارع ونزلاء السجون وباقى المؤسسات العقابية. أى الذين يحتاجون لدعم ومساندة ومتابعة بشكل دائم. وقد قرأت باهتمام ما قاله السيد الرئيس فى أكاديمية الشرطة يوم الأحد الماضى بأن الدولة مستمرة فى تطوير وإصلاح مؤسساتها، مشيرًا إلى تحويل السجون إلى مراكز للإصلاح والتأهيل.
لا أحد ينكر أنه قد حدث تطوير للسجون المصرية فى السنوات الأخيرة. المظهر الخارجى لـ«مراكز الإصلاح».. والفيديوهات والصور من الداخل تؤكد ذلك. بقى فقط الاستمرار فى تحسين ظروف الإقامة للنزلاء لتتماشى مع المعايير الدولية. وأنا على ثقة أن الأمور تسير فى هذا الاتجاه.
وأتمنى أن ينتقل هذا الاهتمام الرسمى لفئات جديدة تحتاج إلى الرعاية، وهنا أركز تحديدًا على دور الرعاية التى تؤوى الأيتام على اختلاف فئاتهم العمرية. أى من حيث تصنيفهم الجنسى، إناثًا أو أولادًا. أو الأطفال معلومى النسب لكن محرومين من الرعاية الأسرية، أو المحرومين من الأسر الطبيعية.

لقد سلط مسلسل «أولاد الشمس» الضوء على مشاكل مهمة من التى تعانى منها دور رعاية الأيتام، وأبرزها استغلال أصحابها، أو مديريها، للأطفال والتكسب من ورائهم، وفرض القهر والسيطرة عليهم، واستغلال ضعفهم، والحصول على تبرعات رسمية وشعبية من ورائهم.. والاستيلاء عليها. المسلسل تعمق فى طبيعة النفس البشرية للبعض والذين يتعاملون مع الأطفال الأيتام الضعفاء وكأنهم سلعة يمتلكونها ويتحكمون فيها لمجرد أن هؤلاء الأشخاص يوفرون لهم المسكن والطعام. ويجدون تبريرًا مناسبًا لهذه الممارسات الخاطئة. هو عمل درامى يستحق كل تقدير. تحية لكل مبدعيه وأبطاله.
صناع المسلسل كتبوا فى مقدمة الحلقات أن الأحداث هى من نسج الخيال، لكننا نعلم جيدًا أنه على أرض الواقع هناك أفظع من ذلك بكثير. الأزمة أننا فى الصحافة، والإعلام عمومًا، عطلنا دورنا المتاح تحقيقه وبسهولة لاستقصاء التجاوزات التى تحدث فى دور الأيتام. الدراما هنا بإنتاج «المتحدة» كانت سباقة.. وعلى الصحافة أن تعود لوظيفتها فى الملفات الإنسانية.
وعندى زاوية أخرى أريد أن أقدمها فى هذه المساحة متعلقة بالأداء الروتينى لوزارة التضامن الاجتماعى فى ملف دور الرعاية. الوزارة عتيقة جدًا وبطيئة، ولا تتحرك بسهولة فى عدة ملفات إنسانية ضمنها ما يتعلق بالتعامل مع الأيتام وكفالتهم.. رغم أننا تفاءلنا كثيرًا بقدوم الدكتورة مايا مرسى إلى منصب الوزير. والكلام فى هذه النقطة وغيرها يطول جدًا، لكننى أسلط الضوء على نقطة واحدة متعلقة بتقليص عدد دور رعاية الأيتام من ٥٨٠ دارًا فى ٢٠١٤ إلى ٤٨٢ فى الوقت الحالى. كما تقلص عدد الأبناء داخل دور الرعاية ما يقرب من ١٤ ألف ابن وابنة، إلى عدد الأبناء ٩٠١٩ ابنًا وابنة، فى نفس الفترة الزمنية. الإحصاءات السابقة نقلتها من الموقع الرسمى للوزارة. وللأمانة فإن وزيرات التضامن الاجتماعى فى هذه المرحلة عملن على تشجيع مشروعات مهمة مثل الأسر البديلة وبيوت الرعاية الصغيرة.

الوزيرة تجدد قرارًا سنويًا باستمرار إيقاف منح التراخيص لدور الإيواء «دور الأيتام»، والاتجاه نحو أنظمة الرعاية البديلة للأيتام.
علمت أن وقف التراخيص هذا قد تم لأول مرة بغرض فحص ملفات كل الدور وإداراتها وانتماءاتهم.. وفقدت بعض الدور رخصها وفقًا لذلك. حدث ذلك بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وسقوط الإخوان. لكن القرار تم الاستقرار عليه وتجديده بشكل روتينى بعدها.. ثم ظهرت فكرة الأسر البديلة، التى هى تنفيذ مصرى لفكرة التبنى ولكن بطريقة تتفق مع عقائدنا وتقاليدنا.
أتمنى لهذه المنظومات الاجتماعية الجديدة، النجاح. وهنا أدعو لتشجيع المؤسسات الكبرى والمجتمع المدنى، على المساهمة فى دعم مؤسسات الإيواء على اختلاف فئاتها، أكثر من المتحقق حاليًا. كما أدعو لإعادة النظر فى وقف التراخيص لدور الأيتام. لا مخاوف أمنية أو سياسية مهمة قد تظهر فى هذه المنطقة حاليًا. وأتمنى أن تتسع رقعة المراقبة والمتابعة من رموز المجتمع، كل فى مدينته أو الحى الذى يسكنه، على دور الرعاية. أى لا نترك الأمر فقط للموظفين الرسميين للقيام بهذه المهمة.