الجمعة 04 أبريل 2025
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

آلهة العجوة.. محاكمة دراما الزمن الجميل

حرف

- بطل الحارة الشعبية فى «أرابيسك» متعاطى مخدرات وكسول ومهمل

- «ليالى الحلمية» يقدم أسوأ صورة يمكن رسمها للفلاح المصرى الثرى

- «ذئاب الجبل» كرس للفكر القبلى المتعاقب وساعد فى «بدونة مصر»

- سلسلة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» شيطنت الحضارة المصرية القديمة والحكام والكهنة

لا شك أن غالبية المصريين اتفقت على استنكار كثيرٍ من الأعمال الدرامية المصرية فى السنوات الأخيرة لسببين، أولهما يتعلق بالوعاء اللفظى المتدنى الذى لا يعبر عن لغة تخاطب غالبية المصريين، أما السبب الثانى فهو مضمون بعض هذه الأعمال وما يمرره من مجموعة قيم لا تعبر أيضًا لا عن القيم المصرية المجتمعية الراسخة، ولا عما يطمح إليه المجتمع المصرى من تصدٍ لقيم دخيلة تسللت لهذا المجتمع فى العقود الأخيرة.

بعض المصريين اعتزلوا بالفعل هذه الأعمال فى السنوات الأخيرة واكتفوا بمتابعة الأعمال الدرامية القديمة خاصة فى عقدى الثمانينيات والتسعينيات. ولقد وجد هؤلاء ضالتهم فى قنوات تليفزيونية مصرية عريقة مثل النيل للدراما، وأخرى حديثة لكنها كرست بثها لإشباع هذا الحنين الذى يسيطر على أجيال مصرية كاملة مثل قناة «ماسبيرو زمان» التى حققت نجاحًا لافتًا فى جذب هذه الأجيال خاصة فى شهر رمضان من كل عام.

لقد استقر فى وجدان مصريين كُثر مصطلح «زمن الدراما الجميل» للإشارة إلى جملة الأعمال الدرامية التى تم إنتاجها فى عقدى الثمانينيات والتسعينيات تحديدًا. 

من حيث الوعاء اللفظى يمكن الإشارة إلى نجاح هذه الأعمال فى تقديم هذا الوعاء بشكلٍ متسق مع القيم المصرية المجتمعية، وهذا أحد الأسباب التى جعلت غالبية المصريين يتجمعون كل مساء لمتابعة حلقات مسلسل بعينه. 

 

لكن هناك سؤال لم نتطرق إليه سابقًا بخصوص ظاهرة التفاف المصريين حول تلك الأعمال.. هذا السؤال يتعلق بحقيقة أو أمر واقع فى تلك السنوات وهو عدم وجود هذا العدد من القنوات الفضائية التليفزيونية. كانت هناك فقط قنوات التليفزيون المصرى، ولم تكن هناك منافسة إطلاقًا لكى يختار المصريون خلالها بين أعمال متنوعة. لم يتم اختبار هذه الأعمال الدرامية اختبارًا تنافسيًا حقيقيًا يمكن من خلاله الوصول لنتائج موضوعية باختيار المصريين لها اختيارًا مجردًا من بين أعمال عديدة. وحين بدأ بث سيل القنوات الفضائية اجتذبت تلك القنوات الجديدة غالبية المصريين وبقى العدد الأقل فقط هو من يبحث عما يسمى بدراما الزمن الجميل، وبعض هذا البحث كان حنينًا شخصيًا أكثر منه اقتناعًا بتلك الأعمال. ودليل ذلك أنه فى سنوات سابقة حتى العام الماضى حين كان يتم إنتاج أعمال حديثة ذات وعاء لغوى راقٍ ومضمون جيد كان ملايين المصريين يتابعون هذه الأعمال بشغفٍ كبير توارت بجانبه محركات البحث عن الأعمال القديمة. مثال ذلك مسلسل «الحشاشين»، وسلسلة «الاختيار» والأعمال الاجتماعية مثل مسلسل «أبوالعروسة» و«رمضان كريم» وغيرهما. 

وهناك حقيقة أخرى لم يتم الالتفات إليها، وهو أن هناك أعمالًا درامية غربية وجدت طريقها للشاشة المصرية وحققت نجاحًا كبيرًا فى نفس السنوات رغم احتوائها على مجموعة قيم غربية زاعقة مثل «نوتس لاندنج» و«ذا بولد آند ذا بيوتيفول»، مما يعنى أن قطاعات من المصريين آنذاك قد اختارت مشاهدة تلك الأعمال بما تحتويه من قيم أخلاقية متعارضة مع القيم المصرية. ويمكن أن نضيف لذلك تحلق المصريين لمشاهدة فيلم «نادى السينما» كل سبت وبرنامج «اخترنا لك» مساء كل أربعاء.

هذه التفاصيل تجعلنا نعيد النظر لأعمال «زمن الدراما الجميل» بعيدًا عن الوعاء اللفظى وفقط من حيث المضمون الفكرى والقيمى الذى قدمته ونشرته بين المصريين. 

وهذا يطرح التساؤل: هل قدمت هذه الأعمال وبشكل حقيقى مجموعة قيم اجتماعية ووطنية جيدة بالفعل، أم أن نجاحها اللفظى فى البُعد عن الابتذال وعدم وجود منافسة قد ألقيا بالضباب على العقول فلم يتم تقييم مضمون هذه الأعمال بشكل موضوعى محايد؟!

سوف أختار بعض أشهر تلك الأعمال كأمثلة، وسوف أناقش مضمون ما قدمته من قيم مجتمعية، وأخرى تخص الهوية المصرية لكى نسير بخطى واضحة ونحن نبدأ فى اتخاذ خطواتٍ جيدة جدًا فى إعادة النظر فيما تقدمه الأعمال الدرامية للمجتمع المصرى والوطن المصرى.

فهناك شعرة فاصلة تفصل بين أن نبدأ الطريق بشكل صحيح يحقق مجمل الأهداف المجتمعية والوطنية التى نطمح إليها، وبين أن ننخدع فقط بفكرة التطهر اللغوى فى السيناريو والحوار ونعيد تقديم نفس أفكار وقيم دراما الزمن الجميل على علات هذه القيم والأفكار التى سأوضحها. 

فمثلًا من أشهر الأعمال الدرامية المجتمعية كان مسلسل «الشهد والدموع» بجزأيه. ما قدمه هذا المسلسل كان مجموعة مكثفة جدًا من مشاعر الكراهية والحقد وقطع الأرحام. أخٌ يقتل أخاه، وأم ترضع أبناءها غِلًا غير مسبوق وتخرج شبابًا وبنات مشوهين نفسيًا تمتلئ أنفسهم برغبة فى الانتقام أكثر من رغبتهم فى بناء ذواتهم. 

ومسلسل يطلق عليه رائعة «ليالى الحلمية» فى عدة أجزاء يقدم مثلًا لفلاح مصرى ثرى يتهافت على صراع غريمه ويهمل أرضه، ويقدم أسوأ صورة يمكن رسمها للفلاح المصرى الثرى، وسيدة أرستقراطية مزواجة، وعلاقات أسرية مهشمة مشوهة. 

وشخصية «حسن أرابيسك» نموذج بطل الحارة الشعبية متعاطى المخدرات الكسول المهمل، الذى خسر ما تركه له والده الصنايعى من حرفة أو فن، ويتسبب فى ضياع ابنه، وحين تأتيه فرصة الخروج بحرفته للعالمية يماطل ويبتز من منحه هذه الفرصة. 

لكن رغم كل هذه المساوئ يتم تقديمه كبطل تلتف حوله الحارة الشعبية. والشخصية التى قدمها الفنان حسن حسنى، أستاذ وفائى، عبارة عن لص آثار يحتفظ بقطعة أثرية قيمة يتسبب أرابيسك فى ضياعها فى إحدى جلسات الدخان الأزرق.

وخاله أو حماه السابق مثالٌ لرجل تسوقه امرأته مغلوبٌ على أمره. وكل شخصية تقريبًا لديها من التشوه المجتمعى الذى لا يختلف عما تقدمه الدراما الحديثة التى نثور عليها لسبب واحدٍ أن هذه الأخيرة سقطت فى فخ الابتذال اللغوى! فجلسات أرابيسك وباقى الحشاشين ليست إلا جلسات علب الليل فى الأعمال الحديثة.

وإذا دافعنا عن تلك الأعمال القديمة بأنها كانت تطرح نماذج مجتمعية موجودة وأن الفن لا ينبغى أن يسقط فى فخ المثالية والمباشرة أو أن تتحول من خلاله الأعمال الدرامية لجلسات وعظ، إن تقبلنا هذا المنطق فعلينا تقبله أيضًا من صناع الدراما الحديثة الذين يدافعون عن أنفسهم بنفس المنطق.

 

فى مسلسلات مثل «المال والبنون» نرى شخصية الأستاذ الجامعى – دكتور إمام – الذى يمثل فكرة القاطرة الفكرية أو النخبة.. شخصية رأيناها جميعًا فى الجامعات المصرية وهى تسوق لفكرة مغلوطة عن هوية مصر، وتقتطع تلك الهوية من كل جذورها القديمة وتحصرها فقط فى الهوية العروبية الإسلامية وكأن تاريخ مصر بدأ فقط منذ عام ٦٤٢م بغزو عمرو بن العاص لها. 

قدم الفنان أحمد عبدالعزيز مجموعة أعمال مهمة تصب فى كثيرٍ منها فى اتجاه تكريس نفس هذه الفكرة المشوهة للشخصية المصرية العريقة بالغة القدم.

من تلك الأعمال مسلسل «ذئاب الجبل» الذى نعرفه جميعًا. رغم احتوائه على فكرة قوية إيجابية لتحرير العقل المصرى الجنوبى من بعض أفكار التعصب القبلى، فإنه كرس فى الحلقات الأخيرة لنفس الفكر القبلى المتعصب. ظهر ذلك - وبعد أن غير شخصيته وانفتح على المجتمع السكندرى وأقبل على الزواج من إحدى بنات هذا المجتمع - فى حوارات بينه وبين رجل الأعمال السكندرى، وهو يتفاخر بقبيلته وشرفها تفاخرًا قبليًا خالصًا، بينما نعرف من صفحات التاريخ أن ما ذكره عن قبائل قد دخلت مصر لم يكن به ما يدعو للفخر. لأن تلك القبائل التى ذكرها قد دخلت مصر فى ظرف تاريخى غير طيب، وأقرب للنفى للتخلص مما سببته من اضطرابات حيثما كانت تقيم سابقًا.

لكنه كرس لنفس الفكر القبلى الذى يتفاخر بالنسب ويفترض أن كل قبيلة عربية دخلت لمصر قد أضافت شرفًا لمصر وليس العكس، أى ليس مصر هى التى جادت على هذه القبائل بالأمن والمأوى والخير.

وفى عملٍ آخر هو «سوق العصر» يقدم الفكرة ذاتها بشكلٍ أقوى وأكثر فظاظة حين يتحدث عن جده الذى دخل مصر غازيًا وكأنه يتحدث عن شخصيات دينية مقدسة. هذا الاتجاه لبدونة مصر بدأ منذ قرونٍ طويلة حين ظهرت فكرة التفاخر بالأنساب فى المجتمع المصرى بعد نحو قرنين من الغزو العربى، وقد عرضت لها تفصيلًا فى أحد فصول «الكتاب الأسود». فكرة أن يتحول فعل الغزو العسكرى إلى مكرمة دينية تضع الغزاة ومن ينسبون أنفسهم لهم فى موضعٍ أسمى من باقى المصريين.

 

ولترويج نفس الفكر سار بعض البرامج الرمضانية الفكرية التى يتم الاحتفاء بها الآن وإعادتها على شاشة «ماسبيرو زمان». من تلك البرامج برنامج «قطايف» الذى اقتبس سامح حسين اسمَه لبرنامجه هذا العام.

كان يقدم البرنامج الأصلى المؤرخ الكبير جمال بدوى، رحمه الله. كان برنامجًا قويًا مبهرًا، لكنه روج فى بعض حلقاته لفكرة الاحتفاء بفعل الغزو، واحتفى فى إحدى الحلقات بمسمى «فتح» محمد على للسودان. 

وأكد تعمده لاستخدام المسمى قائلًا نعم هو فتح لأن قبائل السودان كانت فى حاجة لما قدمه محمد على لهم من حضارة. هو نفس المنطق الذى يدعى بأحقية جيوش أجنبية فى غزو بلاد الغير لنشر قيم دينية مثلًا. 

وفى نفس الحلقة دافع وبرر لسرقة محمد على للذهب من هناك قائلًا بالطبع كانت لمحمد على أطماع فى الذهب لحاجة الدولة إليه! فهل يحق لمصرى بعد ذلك أن يتناول بالنقد نفس الفعل حينما سرقت بعض القبائل غير المصرية للذهب المصرى بعد الغزو العربى والذى كانت تطلق عليه اسم المعدن؟! 

لو قبلنا هذا المضمون الفكرى من مؤرخ صنعته وتخصصه دراسة التاريخ بشكل موضوعى، فسيتوجب علينا قبول فكر الغزو الصليبى لدول الشرق، وقبول تبرير الغزو الفرنسى لمصر أثناء فترات ظلامها الحضارى، وأيضًا لقبلنا فكرة مشروعية الغزو العربى لدول مثل مصر تحت مسمى الفتح الدينى! 

هناك أعمال أخرى غير درامية لكنها لاقت رواجًا كبيرًا بين المصريين، وأقصد بها برامج المقالب مثل الكاميرا الخفية وما شابهها. وحين نقيم مضمون هذه الأعمال نجدها لا تختلف كثيرًا عن نفس نوعية البرامج الحالية المشابهة التى تتم مهاجمتها. فقد احتوت حلقات الكاميرا الخفية على كثيرٍ من مشاهد التنمر ضد البسطاء والسخرية منهم، كما احتوت على مشاهد مبتذلة وصلت إلى حد ركل الممثلين بالأقدام والتلفظ بنفس الألفاظ الخارجة الحالية. والفارق الوحيد بينها وبين قريناتها الحالية هو عناصر الإبهار التى وفرتها إمكانات الإنتاج الحالية. وبرامج التهافت على الفوز بمكافآت مالية وجدت رواجًا كبيرًا وقتها، وكلنا نتذكر الاتصالات على الأرقام الأرضية بتكلفة عالية كلفت الأسر المصرية وقتها مبالغ طائلة. لذلك يمكن القول إن مضمون هذه البرامج وقتها لم يختلف كثيرًا عن مثيلاتها اليوم إلا فى مظاهر الإنتاج الضخمة، وفى اقتحام ألفاظ لغوية مستحدثة، وكتابة سيناريوهات لمواقف عصرية، وارتفاع قيم الجوائز المقدمة. 

أما ما يسمى بالأعمال الدينية التاريخية التى تم إنتاجها فى نفس العقدين والتى يتم الاحتفاء بها إلى الآن، فحدث ولا حرج عما اقترفته من طعنات مباشرة وقوية ضد الهوية المصرية، والتى صاغت الأفكار والرؤى المصرية الجمعية الكاسحة تجاه هذه الهوية فى العقود اللاحقة لعرضها على الشاشة.

الذين فوجئوا بموقف ملايين المصريين فى انتخابات ما بعد ٢٠١١م بحثوا كثيرًا عن أسباب هذا الموقف وهذا الحشد الشعبى المصرى فى خندق مساندة الفكر الدينى المتطرف. ذهبوا للوقوف على بعض هذه الأسباب مثل دور رجال الدين ووعاظ المساجد وسيطرة أعضاء الجماعات الدينية على الجامعات.

كل هذه الأسباب حقيقة، لكنها حقيقة ناقصة لأنهم لم يتطرقوا إلى بحث تأثير هذه الدراما المنزلية - طوال عقودٍ خلت من منافسة أعمال أخرى - فى صياغة المشاعر المصرية الجماعية، وفى التخديم غير المباشر على نفس أفكار وأطروحات الجماعات الدينية المتطرفة. لم نفكر فيما يمكن أن تقوم به حقيقة جلوس صغارنا - الذين أصبحوا الآن أرباب أسر - لساعات طويلة لعشرين عامًا لمشاهدة مجموعة قوية من هذه المسلسلات الدينية التاريخية. من طبائع الأمور أن يمتلئ هؤلاء نفسيًا وروحيًا حتى الثمالة بمضامين تلك الأعمال. 

فما هذه المضامين، وما الذى قدمته بخصوص الهوية المصرية؟ 

سلسلة مسلسل «لا إله إلا الله محمد رسول الله» كانت صاحبة دور البطولة الأهم فى هذا التوجيه. تاريخ مصر القديم كان هدفًا لسهام التشويه الصهيونى القديم المتعمد ولقد تبنت هذه السلسلةُ الرؤيةَ الصهيونية فى تقديم ذلك التاريخ للمصريين. فى كل حلقة من أى جزء يتعرض للتاريخ المصرى كان يتم تشويه هذا التاريخ دون أى سند علمى، ولم يرتكن هذا العمل فى سرديته إلا إلى ما تم نقله فى أمهات كتب التراث الإسلامى التى نقلت بدورها نقلًا حرفيًا عن السردية الشعبية الدينية اليهودية من حكايات وروايات يهود المدينة بعد وفاة النبى «ص». 

تم تشويه سيرة ملوك مصريين بالاسم، على رأسهم الملك العظيم رمسيس الثانى، وتم تقديمه على أنه الملك الكافر الطاغى الذى عذب بنى إسرائيل. ثم تم اختلاق أنساب وهويات مصرية وهمية لشخصيات وردت فى الروايات الدينية اليهودية وتم توجيه أسهم الطعن فى هذه الشخصيات. 

تمت شيطنة الحضارة المصرية القديمة، وشيطنة حكماء وكهنة مصر وهم أرباب العلوم والفنون والحكمة. تم الاستخفاف بالإنجازات الحضارية المصرية فى الزراعة ونسبتها للنبى يوسف «س» دون أى أسانيد تاريخية. 

هذه السلسلة قدمت على طبق من ذهب عقولَ ملايين المصريين لتسيطر عليها الرؤية الصهيونية لتاريخ مصر. خلق هذا المسلسل روحًا مصرية معاصرة مُعادية للشخصية المصرية التاريخية الحقيقية وصلت ذروتها فى تبرؤ هؤلاء المصريين من هذه الحضارة وهذا الإرث، ولولا ما نخوضه من معارك تصويب فى السنوات الأخيرة لاستمرت هذه الحالة فى السيطرة على عموم المصريين. 

 

أما عن الأعمال التاريخية العسكرية، فقد قدمت الدراما المصرية خدمات جليلة لشعوب أخرى عبر تقديمها سير أبطال تلك الشعوب تحت رايات دينية. هل يعقل أن وطنًا - هو مصر - كان خارجًا لتوه من أعظم نصر عسكرى على الكيان الصهيونى منذ غرسه فى المنطقة، ثم يقوم أبناء هذا الوطن من صناع الدراما بإشاحة ظهورهم لهذا النبع من البطولات، ثم ينفقون أموال المصريين فى إنتاج أعمال درامية تكرس لبطولات شخصيات عربية منذ أربعة عشر قرنًا وكأن هذا الوطن فقيرٌ فى سيره وبطولاته! 

ما حجم الأعمال التاريخية العسكرية فى هذين العقدين التى كرست للبطولات المصرية العسكرية؟ أخشى أن الإجابة صادمة محبطة. فماذا نتوقع أن تكون أرواح وقلوب المصريين الذى عاشوا تلك السنوات؟! إن معظم تلك الأعمال كانت تقوم بكتابة مجد شعوبٍ أخرى بأموال المصريين!

 

القسم الثالث من تلك الأعمال ربما يكون هو الأخطر وهو ما يتعلق بسلسلة القضاء فى الإسلام.

لماذا كان هو الأخطر؟ لأن سنوات عرضه تزامنت مع مشاهد وأحداث أخرى فى مصر. هذه المشاهد هى ما كان يتم غرسه فى التربة المصرية عن طريق رجال الدين وأعضاء الجماعات الدينية المتطرفة وساعدت فيه مطبوعات اليسار. فكرة أن الحكم العصرى ظالم والحكومات ظالمة لعدم احتكامها لقوانين الشريعة الإسلامية. وأن قرون حكم الخلافة كانت مثالًا مجسدًا للعدل المطلق. هذه السلسلة من الأعمال الدرامية كرست لهذا الوهم وخلقت حالة حنين مصرى لهذا النموذج من الحكم الذى كان القضاء أهم مظاهره. هذا الحنين هو الذى دفع المصريين لانتهاز فرصة الاختيار فاختاروا الفكرة التى روجت لها تلك الأعمال الدرامية. حدث هذا مع تجاهل تقديم أعمال عن قامات مصرية قضائية معاصرة. 

حين تجتمع هذه السلاسل الدرامية على العقل الجمعى لشعبٍ كان محاصرًا تليفزيونيًا بهذه القنوات الحصرية تكون النتيجة المنطقية هى ما حدث ويحدث فى مصر حتى الآن. لقد قدمت هذه الأعمال خدمات دعائية مجانية طويلة الأمد لكل من كان يحاول تشويه الهوية المصرية التاريخية، ولكل من كان يحاول استعداء المصريين ضد فكرة الدولة الوطنية المعاصرة، ولبطولات أفراد لا ينتمون لهذه الأرض وهذا الوطن.

نحن الآن فى مفترق طرق فيما يخص الاستقرار على الدراما المزمع تقديمها للمصريين. فيما يخص الوعاء اللغوى فنحن متفقون تمامًا على ضرورة الارتقاء بهذا الوعاء. لكن النقاش الذى يجب أن نخوضه إنما يخص مضمون هذه الدراما وما سوف تتبناه من قيم مصرية مجتمعية، وأيضا قيم وطنية تخص هوية الدولة العصرية المدنية التى نطمح لتكريسها فى مصر.

وحتى أكون واضحًا، فهناك بعض القلق المصرى المشروع من بعض المشاهد الأخيرة الخاصة بمناقشة مستقبل الدراما المصرية. وأول مظاهر هذا القلق هو محاولة شخصيات دينية معروفة التوجه أن تتدخل فى هذه المناقشات - بما يشبه محاولة استغلال حديث الرئيس عن الدراما - لمحاولة فرض وصاية دينية غير مقبولة على مستقبل هذه الدراما. فحديث أحد قيادات الأزهر الرسمية الكبيرة - ذات التوجه المعروف – عن الدراما المصرية يلقى بظلال ضبابية على تصور هذه القيادة بحقها فى التدخل بمنظور دينى وصائى فى الإبداع المصرى.

لقد كان حديث الرئيس طبيعيًا كمواطن مصرى يعشق الهوية المصرية ويغار على هذه الهوية من أى محاولات تشويه.

لقد كان الرئيس فى السنوات الماضية هو أشد المدافعين عن هذه الهوية وهو أول رئيس مصرى يصر على مخاطبة الشعب المصرى بمفردات هذه الهوية مثل «يا مصريين» ومثل «الأمة المصرية». فلا ينبغى أن نسمح لأحد باستغلال حديثه وتوجيهه لوجهة غير ما قصدها، وبخلاف سيرته فى الحكم واعتزازه بهذه الهوية المصرية المعتدلة المتسامحة، وبخلاف حرصه على تشجيع حرية الرأى والإبداع. ولقد احتفى الرئيس سابقًا بأعمال درامية كانت تكرس لتلك الهوية مثل إشادته بمسلسل «الاختيار». 

لذلك فهناك دور على صناع الدراما والمبدعين والمثقفين القيام به، وهو التيقظ للدفاع عن حرية الإبداع وحمايته من أى محاولة لخلط الأوراق بين حرص الرئيس على إنتاج أعمال هادفة جادة، وبين محاولة البعض التسلل للتدخل غير المشروع فى مستقبل الدراما فى مصر. 

ماذا نريد وما طموحاتنا المستقبلية للدراما المصرية؟ 

كما ذكرت نتفق فى وجوب تصويب لغة الحوار. أما من حيث المضامين، فأعتقد يجب أن تكون هناك مسارات متوازية لتحقيق جملة أهداف. أولها إنتاج أعمال اجتماعية تهدف لمناقشة القضايا المجتمعية بشكل يرتقى بالذوق العام والمشاعر وتهذيبها. نحن فى حاجة لإنتاج أعمال رومانسية راقية بعيدة عن الابتذال تعيد للمشاعر الإنسانية بمختلف تنوعاتها مكانها الطبيعى. القيم المجتمعية المصرية أشمل وأعمق وأرسخ من فكرة تديينها وحصرها فى ديانة واحدة، فهى قيم يتشارك بها جميع المصريين. وهذه القيم متأصلة فى التربة المصرية وتسبق وجود الديانات الإبراهيمية فى مصر. 

فيما يخص أعمال تكريس الهوية المصرية، فلدينا منابع لا تنضب تحتاج فقط إلى من يغرف منها من مبدعى مصر. لماذا لا يتم تصويب ما غرسته الدراما القديمة من استعداء المصريين ضد هويتهم الأصيلة؟ لماذا لا يتم إنتاج أعمال عن الفنون والعلوم المصرية القديمة التى تم تجاهلها سابقًا؟ أين الأعمال التى تتناول قيم التوحيد المصرية القديمة؟ أين الأعمال التى تنقل صورة مصر حين كانت جامعاتها قديمًا قبلة لشعوب الأرض لتعلم علوم الطب والهندسة والصيدلة والفلك والموسيقى؟ 

ألم يتعلم النبى موسى «س» هذه العلوم فى مصر؟ أين الأعمال المستقاة من الأدب المصرى القديم؟ 

أين الأعمال التى تتناول جهاد المصريين عبر العصور ضد الغزاة؟ لماذا لا ننتج أعمالًا تروى كفاح شعب مصر ضد الهكسوس وتروى قصة استشهاد سقنن رع وكفاح أحمس؟

أين الأعمال التى تنقل كيف كان يربى المصريون أبناءهم ويعلمونهم؟ أين الأعمال التى تنقل كيف عامل المصريون نساءهم وكيف علموا بناتهم وكيف كانوا يُقدسون الحياة الأسرية؟ 

القضاء فى مصر القديمة الذى بلغ ذروة العدل والانضباط ولدينا وثائق للمحاكم المصرية ومكانة القضاة فى مصر، فأين كل ذلك فى الإبداع المصرى المعاصر؟

لدى مصر قوائم بآلاف المجاهدين منذ فجر التاريخ وحتى شهداء اليوم. فأين تلك الأعمال التى تنقل للأجيال المعاصرة مجد أجدادهم؟ 

تاريخ مصر لم يبدأ عام ٦٤٢م وتاريخنا القديم مكتظ بالمجد والشرف، وتاريخنا المعاصر مكتظ بآلاف الأسماء، فلماذا لا يتبنى صناع الدراما مشروع تمصير الدراما المصرية التاريخية؟! وأين الأعمال الدرامية التى تتناول الحقبة المسيحية من تاريخ مصر؟