الخميس 03 أبريل 2025
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ديانات وشركات.. كيف أوقعتنا الجماعات المتطرفة فى فخ الاقتصاد الإلهى؟

حرف

- كاتب بريطانى: منذ 250 عامًا وحتى الآن كيف أصبحت الحركات والمنظمات الدينية فى العالم ساحرة جدًا؟

- المنظمات الدينية تكتسب قوتها الهائلة من تلبية الاحتياجات الإنسانية المهمة

- دراسة: المنظمات الدينية فى أمريكا حصلت على 378 مليار دولار فى 2016

- إيرادات المنظمات الدينية فى أمريكا فى 2016 تمثل 60% من إيرادات صناعة الإعلام والترفيه

- دعوات إلى تقييد استخدام الحركات والمنظمات الدينية سلطتها ومعاملتها بطريقة أكثر واقعية

فى 24 فبراير 2022، دخلت أكثر من 3 آلاف دبابة قتالية روسية، برفقة عدة آلاف من القوات الإضافية فى الشاحنات والمركبات المدرعة الخفيفة، أوكرانيا، لقد كانت الحرب معركة للدفاع عن فكرة ما، ورغم أنها قومية فى الأساس وليست دينية، إلا أنها كانت مدعومة ببعض المدفعية الدينية الثقيلة.

ففى اليوم السابق لبدء الحرب، ألقى البطريرك كيريل، أسقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، خطبة نارية داعمة للحرب، وعلى مدى الأشهر التالية، ضاعف كيريل خطابه الداعم لموقف الرئيس الروسى بوتين، وحث الجنود على القتال باعتباره واجبهم الوطنى، ووعدهم بأن «التضحية فى سبيل أداء واجبكم العسكرى تغسل كل الذنوب».

وفى الأيام والأسابيع التالية، كان كهنة الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية الأوكرانية يستخدمون الصلاة والوعظ الكتابى لتقوية إرادة مواطنيهم فى المقاومة، ومن بين تدفق الدعم وعروض الإمدادات العسكرية والإنسانية، تم تصنيع عدة آلاف من المسابح، وتسليمها إلى أوكرانيا لرفع معنويات كل من اللاجئين المدنيين وجنود الخطوط الأمامية. 

ومن المتعارف عليه أن الخطابة والمسابح ما هما إلا اثنتان من مجموعة هائلة من التقنيات الدينية المنتشرة عبر العصور، لتقوية عزيمة الشباب الذين يؤمرون بالقتال، فالحرب ليست سوى واحد من مسارح الإقناع الدينى المتعددة. 

من ساحة المعركة إلى صناديق الاقتراع، ومن قاعة الاجتماعات إلى غرفة النوم، تتمتع الحركات الدينية بقوة هائلة فى العالم اليوم، لكن كيف وصلوا إلى هذه القوة؟، هذا ما يوضحه ويتناوله بالتحليل كتاب «الاقتصاد الإلهى: كيف تتنافس الأديان على الثروة والسلطة والناس»، للخبير الاقتصادى بول سيبرايت، وهو أستاذ اقتصاد بريطانى فى كلية تولوز للاقتصاد بفرنسا.

الكتاب الذى صدر عن مطبعة جامعة برينستون بالولايات المتحدة، يأتى فى 504 صفحات، وهو حائز على الميدالية البرونزية فى جوائز إكسيوم بيزنس بوك، وتم إدراجه فى القائمة الطويلة لجائزة فاينانشيال تايمز وشرودرز لكتاب الأعمال لهذا العام.

عدسة اقتصادية 

هل تصلح الأديان للتحليل الاقتصادى؟ سؤال يجيب عليه الكتاب ببساطة، فهو يصنف ضمن فئة اقتصاديات الدين، ويقدم تفسيرًا اقتصاديًا جديدًا للكيفية التى أصبحت بها الحركات الدينية قوية جدًا فى العالم الحديث، وتقاطع الدين والاقتصاد والسلوك البشرى.

الكتاب يتناول بالتحليل عدة أفكار، وهو مقسم إلى أربعة أجزاء، أولها عن الكيفية التى يبدو بها الدين فى العالم اليوم؛ ثم كيف تكتسب الأديان قوتها؟ وتليها فكرة استخدام هذه القوة، وأخيرًا، خاتمة.

وقام المؤلف فيه بتوثيق وجمع الأدلة التجريبية للتدين ورأس المال الاجتماعى والأثر الاقتصادى بدقة من عدد كبير من الدراسات من جميع أنحاء العالم، وركز الجزء الأخير من الكتاب على الاقتصاد السياسى للدين، وهو الموضوع الذى يستحوذ على اهتمام كثير من الأعمال الأخيرة للاقتصاديين.

والفكرة العامة التى يقوم عليها الكتاب هى أن الأديان بشكل عام تقدم منتجًا «مثل الخلاص»، ولديها شبكة من مقدمى الخدمة «كهنة، وأئمة، وما إلى ذلك»، ويستفيدون من شبكات التوزيع الجيدة.

فوفقًا لسيبرايت، ليست التجارة وحدها هى التى تنتقل عبر الطرق، فالأفكار والأمراض والأديان تنتقل أيضًا عبر طرق التجارة، فمثلًا سمحت الطرق الرومانية للمسيحية بالانتشار عبر أوروبا بسرعة لم يسبق لها مثيل.

ومع دراسة الأكاديميين لاقتصاديات التطرف، كان الاقتصاديون يصفون فترة الإصلاح بأنها «اللحظة التى تم فيها تفكيك مزود الاحتكار وهو «الكنيسة الكاثوليكية»، ما أدى إلى زيادة فى اختيار المستهلك «البروتستانتية»، لتبدأ مجموعة كبيرة ومتنوعة من الموردين فى تقديم خرائط الطريق إلى الجنة.

الاحتياجات الإنسانية

يبدأ الكتاب فى أكرا، عاصمة غانا، بقصة امرأة تبلغ من العمر ٢٤ عامًا، يسميها المؤلف جريس، والتى تكسب ١.٥٠ دولار يوميًا من بيع الماء المثلج للناس عند إشارات المرور، وهى تبلغ ١٠٪ من هذا الدخل، إلى جانب تبرعات أخرى، لكنيستها البروتستانتية، على الرغم من أن هذا يعنى أنها لا تستطيع دفع تكاليف بعض العلاجات الطبية لخالتها، التى تعيش معها فى منزل صغير فى أحد الأحياء الفقيرة.

يرى المؤلف أن جريس تأمل أن تلتقى فى الكنيسة بمرشح زوجى محترم، بعد أن تحصل على موافقة راعيها ومجتمع الكنيسة، وهذا أكثر بكثير مما يمكن أن يقدمه تطبيق المواعدة، حيث تشجع الكنيسة الزوج على «الحضور رصينًا، ببدلة نظيفة، صباح يوم الأحد، وسيراقبه الكثيرون لمعرفة ما إذا كان يعامل زوجته بشكل جيد». 

هذه الشرعية للمنظمة الدينية تجعل القادة السياسيين يمنحون بعض السلطة لزعماء الدين، لأن الحركات والمؤسسات الدينية تكتسب قوتها بشكل مستقل من هذه الشرعية، وحسب الكاتب، تزدهر هذه الكيانات لأنها تبشر برسالة روحية مؤثرة بشكل خاص- وهى قصة تتحدث عن الاحتياجات الإنسانية المهمة، وبالتالى تنجح الأقوى منها فى تحريك سامعيها أكثر من غيرها. 

لكن على النقيض، تختفى معظم الحركات الروحية التى تأسست دون أن تترك أثرًا، وهنا السؤال، ما الذى يجعل أفضل الرسائل الدينية مؤثرة جدًا وساحرة جدًا؟ هناك إجابة مفاجئة على هذا السؤال: إنه الاقتصاد.

بول سيبرايت

وفقًا لسيبرايت، ركز تاريخ الحركات الدينية بشكل كبير، ولسبب وجيه، على شخصيات مؤسسيها والشعر فى الرسائل التى ينقلونها، ومع ذلك، فى حين أن الحركات الدينية قد تعظ بالشعر، إلا أن عملها لكى يكون فعالًا، يجب أن يخدم بالنثر.

لكن ما هو النثر؟ يوضح الكاتب أن ذلك هو الأفعال التى تقوم بها المنظمات التى تشكل هذه الكيانات الدينية: الكنائس، والمساجد، والمدارس الدينية، والمعابد اليهودية، والمعابد، وجماعات الصلاة، والأضرحة، والأديرة، ودور الاجتماعات، والتى تنخرط فيما أسماه الاقتصادى ألفريد مارشال فى القرن التاسع عشر «الأعمال العادية للحياة».

حيث تقوم هذه المؤسسات بتجنيد وجمع الأموال وصرف الميزانيات وإدارة المبانى وتنظيم النقل وتحفيز الموظفين والمتطوعين وإيصال رسائلهم، وهم يدركون تمام الإدراك أنهم يتنافسون على الأموال، والولاء، والطاقة، والاهتمام مع المنظمات الدينية الأخرى، وكذلك مع المنافسين العلمانيين.

ويرى المؤلف أن الأبحاث التى أجراها علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع تشير إلى أننا «نكون أنفسنا أكثر عندما نعطى الآخرين أكثر من كوننا متلقين سلبيين لإحسانهم»، ولذلك فالمنظمات الدينية التى توفر لنا الفرصة لخدمة الآخرين هى الجذابة، وهذا بدوره يسهم فى بناء مجتمع يرتبط ببعضه البعض بإحساس مشترك بالهدف والمعنى.

ويضيف المؤلف أنه من دون الموارد الاقتصادية، فإن الرسائل الأكثر جمالًا فى الصياغة سوف تكافح من أجل الحصول على آذان صاغية فى نشاز الحياة، ولذا يرتدى القفاز المخملى للسحر قبضة حديدية للتنظيم.

ويرى الكاتب أن التنافس الدينى لا يعنى أن الدافع هو الجشع أو الربح أو أمر تحركه العاطفة أو المنفعة الشخصية، ولكن هو أمر يتعين القيام به من أجل السيطرة على الموارد الاقتصادية والبشرية اللازمة للبقاء والازدهار.

أعمال تجارية

ويشير سيبرايت إلى أن المنظمات الدينية يمكن أن تكون منصة مواعدة ناجحة أو توفر شبكات عمل جيدة على وجه التحديد، حيث يمكنها أن تعطى جميع الأنشطة معنى دينيًا.

ويقول المؤلف إن الحركات الدينية باختصار هى أعمال تجارية مثل معظم الشركات، فهى مجتمعات، ومهد للطموح والإحباط لمجنديها، ومسارح الإنجاز أو اليأس لأولئك الذين يستثمرون حياتهم فيها أو يدخرون داخلها.

وفى نفس الوقت هى شركات مشروعة، ويجب أن يتم فهمها من حيث هيكلها، والخدمات اللوجستية، وثقافة الشركة، وكذلك من حيث المهمة التى ورثتها من مؤسسيها، وهو الأمر الذى يفسر الديناميكية المستمرة للحركات الدينية فى العالم الحديث.

فهى حتى تكون ناجحة، يجب أن تكون نوعًا خاصًا من الأعمال أو منصات مثل فيسبوك وأمازون، وهذه المنصات هى منظمات تجمع الأفراد أو مجموعات المستخدمين معًا فى علاقات متبادلة المنفعة، وتعمل على تسهيل العلاقات التى لا يمكن أن تتشكل، أو لا يمكن أن تعمل بشكل فعال، فى غياب هذه الكيانات.

أو فى قول آخر حسب الكاتب، إنهم يبنون المجتمعات، وبالتالى تكافئ هذه المنصات أولئك الذين يقومون بإنشائها وإدارتها، من خلال الاستحواذ على بعض الفوائد التى تتيحها هذه العلاقات، سواء كان ذلك ماديًا «التعليم أو الصحة أو الخدمات المالية» أو روحانيًا «الصلوات والطقوس».

ويرى المؤلف أن الأعضاء المتدينين ليسوا مجرد مستهلكين للصالح الدينى، «إنهم أصول المنصة، ونشيطون فى توصيل هذه الفوائد لبعضهم البعض»، وهو ما يساعد فى تفسير السبب وراء كون الحركات الدينية الناجحة تستطيع بناء «منصات» كبيرة قوية للغاية وطويلة الأمد.

وقد تبدو هذه الأفكار غريبة بالنسبة للأشخاص الذين يرون أن الدين فى أمريكا الشمالية أو أوروبا الغريبة فى حالة تراجع، ولكن يرى سيبرايت أن فى العالم ككل، تزدهر المجتمعات المسيحية بما لا يقل عن تلك الموجودة فى الإسلام والهندوسية والبوذية، ومجموعة من الحركات الدينية الأخرى القديمة والجديدة. 

وهو ما يؤدى إلى منح رسائل العالم الآخر قوة خاصة فى تحريك الناس، ولكن يتشكل ذلك من خلال قيود دنيوية مثل المنافسة الاقتصادية، وهو نفس ما ذهب إليه الفيلسوف والاقتصادى الأسكتلندى آدم سميث فى القرن الثامن عشر.

طريقة تسويقية

فى الوقت الذى كان فيه الاقتصاديون بطيئين فى دراسة الدين، منذ حوالى ٢٥٠ عامًا، لاحظ آدم سميث، فى كتابه «ثروة الأمم»، أن ثروة الكنائس كانت كبيرة، وتحدث عن كيفية ظهور هذه الثروة، ولاحظ أن إيرادات الكنائس «التبرعات» تدفقت وأفادت الكهنة، الذين قال إنهم فى بعض الأحيان لم يحركهم حب الله، بقدر ما يحركهم «الدافع القوى للمصلحة الذاتية».

فى هذا الزمن، كان اللاهوتيون فى كنيسة إنجلترا منشغلين بتزايد شعبية ما يسمى بالمنشقين الجدد، وخاصة الميثوديين، وهى طائفة مسيحية بروتستانتية ظهرت فى القرن الثامن عشر فى المملكة المتحدة على يد جون ويزلى، وانتشرت فى بريطانيا، ولاحقًا من خلال الأنشطة التبشيرية فى المستعمرات البريطانية حتى الولايات المتحدة الأمريكية.

واتهم الدعاة الميثوديين بـ«سحر» مستمعيهم، وجعل «الناس يصابون بالجنون»، وإقناعهم بأن قساوسة الكنيسة المؤسسة كانوا «مرشدين عميانًا وأنبياء كذبة»، وبالنسبة لسميث، ما كان يحدث هو المنافسة لجذب الجمهور. 

حيث كان يعتقد أن السبب وراء نجاح الميثوديين فى ذلك هو أن لديهم حوافز أقوى، كما كتب فى كتابه «ثروة الأمم»، واجه الميثوديون مجموعة مختلفة من المكافآت الاقتصادية، بغض النظر عن مدى جودة وعظهم، مقارنة بقساوسة كنيسة إنجلترا. 

كان سميث حينها مهتمًا بكيفية تأثير الحوافز الاقتصادية ليس فقط على جودة الرسالة التى تقدمها الكنائس، بل أيضًا على محتوى الرسالة، وكان هذا حرفيًا مسألة حياة أو موت. 

ويرى الكاتب أن الناس لا ينضمون إلى الحركات والمنظمات الدينية بسبب اللاهوت، فالواعظ الذى يتمتع بشخصية جذابة، يمكن أن يكون عامل جذب، فالقصة كلها طريقة تسويقية خاصة فى عصر العلم، فليس بالضرورة ما يقوله ذلك الواعظ، بقدر ما يتعلق بالطريقة التى يستخدمها.

حيث يعد سرد القصص الجيدة أمرًا حيويًا، فالنصوص المقدسة لأديان العالم تعالج دائمًا المشكلات الكبيرة التى يواجهها البشر.

بالنسبة لسيبرايت، ما يشكل جزءًا حاسمًا فى الانجذاب نحو الحركات الدينية هو الاستعداد لسرد قصص عظيمة وطموحة، وهذا السرد الجيد يتكون من مكونين، الأول أنه يتوافق مع مفاهيم «السببية المنطقية»، وهو خط واضح بين «السبب» و«النتيجة» الذى يبدو منطقيًا تمامًا للمستمع.

والثانى أنها تحتوى على ما يصفه الكاتب بـ«عناصر غير بديهية»، أجزاء من القصة تبدو غير عادية أو غير قابلة للتصديق إلى حد كبير أو من غير المحتمل حدوثها فى الحياة اليومية.

ففى ذلك الوقت، كانت أوروبا لا تزال تحمل ندوب الحروب الدينية العنيفة التى هزت القارة لأكثر من قرن من الزمان، وكانت هناك انفجارات دورية للعنف الذى يغذيه الدين، فضلًا عن القمع المستمر للأقليات الدينية مثل البروتستانت الهوغونوتيين فى فرنسا.

وكان سميث قد بدأ كتابه «ثروة الأمم» فى عام ١٧٦٤، أثناء زيارة طويلة لمدينة تولوز فى جنوب غرب فرنسا، والتى كانت قد تعرضت للدمار خلال العامين الماضيين، بسبب الاتهامات المتبادلة بشأن تعذيب وإعدام جان كالاس، وهو بروتستانتى، بتهمة كاذبة بقتل ابنه. 

وكتب سميث أنه سواء كانت الأديان تبشر برسالة متسامحة أو غير متسامحة، فإن الأمر لم يكن نتيجة لبعض الصفات المتأصلة فى الدين، بل نتيجة للحوافز التى يوجهها الزعماء الدينيون.

ومثل ما يحدث فى مجالات الحياة العادية والاقتصاد، فبالنسبة لسميث فإن المنافسة أمر جيد والاحتكار أمر سيئ، ولذلك عندما تتنافس العديد من الأديان على قدم المساواة، فإنها تبشر برسالة أكثر خيرًا. 

ويرى الكاتب أن النهج الاقتصادى للحركات الدينية يحتوى على الكثير من المواد الخام التى يمكن العمل عليها، ولذا فهى تحتاج إلى جذب «العملاء»، بعد أنها توفر «السلع» المختلفة، وتتنافس مع بعضها البعض.

وحسب المؤلف، فإن سميث كان يشير إلى التنافس بين الحركات التى تتمتع بحرية صياغة رسائلها الخاصة، بما فى ذلك الكنائس البروتستانتية المتنافسة فى نفس المدينة، حيث إنه كلما كان عدد الحركات الدينية فى المجتمع قليلًا جدًا، فإن قادتهم سيكونون قادرين على التبشير بالعنف والشقاق، خاصة إذا منح الزعماء السياسيون الحماية لبعضهم على حساب الآخر.

فلماذا يريد القادة السياسيون القيام بذلك؟ اعتقد سميث أنهم قد يوفرون الحماية لبعض الحركات الدينية، وتتم حمايتها من المنافسة، وذلك مقابل إضفاء الشرعية على القادة السياسيين للدولة من قبل الزعماء الأيديولوجيين للدين.

لقد طور سميث نظرية لدورة الحياة الطبيعية للحركات الدينية، ستكون الحركات الجديدة نشطة وديناميكية، وستجذب الحركات الناجحة حسد القادة السياسيين، الذين سيقدمون لهم الامتيازات، فالقادة السياسيون لا يحبون شيئًا أفضل من أن يكون هناك كهنة، أو قساوسة، أو حاخامات، أو أئمة، يعظون نيابة عنهم. 

ولكن سميث حذر من أن هذه الحماية من شأنها أن تضعف الحوافز التى تدفع الزعماء الدينيين إلى الاستماع إلى أتباعهم، وبالتالى يصبحون فى نهاية المطاف غير قادرين على المنافسة بفاعلية ضد الحركات الدينية الأحدث التى تتحداهم.

ومن وجهة نظر سميث، تستجيب تعاليم الزعماء الدينيين للظروف الاقتصادية والسياسية، ولذا فلم يكن هناك أى فائدة من حث الكنائس على تغيير أى رسالة معينة، إذا كانت تلك هى الرسالة التى من مصلحتهم إيصالها.

ويرى الكاتب أنه رغم مرور قرنين ونصف القرن على أشهر أعمال آدم سميث «ثروة الأمم»، وتغير مجتمعاتنا بشكل كبير، إلا أن طريقة تفكيره حول مشاكل عصره تظل وثيقة الصلة بالموضوع بشكل مدهش حتى الآن.

عرض وطلب

ويدلل سيبرايت بالأرقام على أن الحركات والمنظمات الدينية اليوم هى عمل تجارى كبير، فقد قدرت دراسة نشرت فى عام ٢٠١٦ أن المنظمات الدينية فى الولايات المتحدة حصلت على إيرادات تعادل ٣٧٨ مليار دولار. 

وهو ما يعتبره المؤلف تدفقًا هائلًا للموارد أكبر من الإيرادات فى نفس العام لشركتى أبل ومايكروسوفت مجتمعتين، وأكثر من ٢٪ من إجمالى الدخل الشخصى فى الولايات المتحدة فى ذلك العام، مشيرًا إلى أنها تمثل ٦٠٪ من إيرادات صناعات الإعلام والترفيه، وهذا لا يشمل حتى الوقت والطاقة والمساهمات العينية التى يقدمها أعضاء المنظمات الدينية.

ويشير الكاتب إلى أنه من المستحيل الحصول على أرقام دولية قابلة للمقارنة، لكن هناك العديد من الدول ذات الأغلبية المسيحية التى تتمتع بحضور قوى للخمسينية، وهى حركة دينية بروتستانتية ظهرت فى الولايات المتحدة الأمريكية فى أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

وذلك خاصة فى إفريقيا مثل دول غانا ونيجيريا وكينيا وزيمبابوى وجنوب إفريقيا، وأمريكا اللاتينية مثل البرازيل وجواتيمالا والسلفادور وهندوراس، حيث من المرجح أن تكون إيرادات المنظمات الدينية مماثلة بالنسبة لحجم اقتصاداتها.

ويؤكد المؤلف أن هذا القرن لن يشهد اختفاء الحركات والمنظمات الدينية، لأن هذه المجتمعات الدينية سوف تستمر فى تلبية الاحتياجات الإنسانية الحقيقية على نحو أكثر فاعلية من أغلب البدائل المتاحة. 

فهذه الحركات الشبيهة بمنصات الأعمال، والتى تم بناؤها فى المجتمعات المسيحية والإسلامية، تساعد أفرادها على التغلب على تحديات العالم الحديث، مع تزايد الهجرة من الريف إلى المدينة، وتفكك الروابط الأسرية، ومخاطر المرض والبطالة والعمالة، وأيضًا الوحدة التى لم تعد المؤسسات التقليدية للأسرة والقرية والدين الشعبى قادرة على حمايتهم منها.

وبالتالى فأنجح الرسائل الدينية وأدومها يمكن فهمه فى ضوء العرض والطلب والمصلحة الذاتية، وهو ما يحول الإيمان، وهو مسألة روحية إلى شىء مادى، لكنه فى الوقت نفسه يفسر سر استمرار قوة هذه الحركات، فى عالم أصبح علمانيًا بشكل كبير.

هذا بالإضافة إلى المصالح السياسية القوية التى سوف تستمر فى التلاعب بالدين لإرسال الجنود إلى ساحة المعركة، والناخبين إلى صناديق الاقتراع، وسوف يظل بعض المواطنين مخمورين بالدعوة.

ولذا يدعو الكاتب إلى تقييد استخدام الحركات الدينية لسلطتها عما حدث فى الماضى، فهو مشروع يجب أن يوحد كل الأشخاص العقلاء من أى دين أو الذين لا دين لهم، فهذه الحركات تتمتع بالامتيازات، وينبغى لها أن تعترف بالتزاماتها، فلقد حان الوقت لمعاملتهم بطريقة أكثر واقعية وإلحاحًا، وليس بتقديس.

فهم وفقًا لسيبرايت، يعملون بطريقة مماثلة للمنظمات الأخرى، ما يجعلهم عرضة للفساد وسوء الاستخدام، ولذلك يجب أن يكونوا مسئولين بنفس القدر، خاصة مع التحديات والتشابكات الدائمة فى العلاقة بين الدين والدولة.

إن الباعة المتجولين المتدينين، مهما كان مظهرهم، يتاجرون بالنصوص المقدسة مثل الكتاب المقدس، والقرآن، والتلمود، والاقتصاد هو «المفتاح» والمحرك المركزى فى الوجود الإنسانى دائمًا.