«يا عندليب ما تخافش من غنوتك».. إبداعات من الجامعات (5)

يا عندليب ما تخافش من غنوتك
قول شكوتك واِحكى على بلوتك
الغنوة مش ح تموتك.. إنما
كتم الغنا هو اللى ح يموتك!
فليسمح لنا صلاح جاهين بأن نستعير رباعيته الخالدة، ونحن نعود فى الزمن إلى أيامه، حين كانت الصحف قبلة المُبدعين، خاصة طلاب الجامعات، والدارسين فى مراحلها المتقدمة من ماجستير وغيره، الموهوبين فى كتابة الشعر والقصة والمسرح، والقادرين على سرقة الضحكة من فم الحزن بالكتابة الساخرة، وأيضًا أولئك الذين لديهم قدرة على نفخ الروح فى لوحة خشبية صماء، فتدب الحياة فى أوصالها لوحة تشكيلية أو رسم كاريكاتيرى يسحر الألباب والعقول.
جامعاتنا مليئة بالمواهب الإبداعية فى كل المجالات تقريبًا، من دون أى شك، لكنها فى نفس الوقت تعانى غياب ذلك «الصائغ»، الذى اعتدنا على وجوده فى مؤسساتنا الصحفية، بأنامله الخبيرة التى يمكنها إزاحة التراب عن لآلئ هذه الجامعات، من إبداعات تبحث عن فرصة للظهور، وأسماء لا نريد أن «يقتلها» التجاهل ويوقف مسيرتها، من قبل أن تبدأ.
فى هذه الزاوية من «حرف»، نمد يدنا إلى كل موهوب فى جامعات مصر، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، ننشر لهم إبداعاتهم فى الشعر والقصة والكتابة الساخرة، إلى جانب الفن التشكيلى والكاريكاتير، مُرددين ما قاله صلاح جاهين قبل سنوات طويلة: «يا عندليب ما تخافش من غنوتك».
محمد عونى من جامعة قناة السويس يكتب: أحزن من كمانجاتى اتحرم من جوز إيديه

فِـ وقت مَـ كات هدوم الناس
جلود من كُل كائن حَى
كان عَم صبحِى فِـ بيتُه بيخطط عشان يعمِل قُماش
يترَجّ عقل الخلق منه ويضطرب تون الحياة
كان جيبُه عنوان الإبَر والدهشَة والصنعَة العجيبَة
إن كَرّ مِنُّه الخيط.. يجيلُه الخيط.. بدون مَـ يقول لقطتُه
وفِـ إيدُه ماكَنَة مسافرَة مِـ المُستقبَل المجهول.. لأوضتُه
يسقيها بَكَر الخيط وينفُخ روحه فيها تجيب قماش
كان كيفِى أراقِب عَم صُبحى وكُل حتة فِـ جسمُه تتحوِّل لِـ نشوَة
ساعِة مَـ يلمِس إيدُه طَرف الخيط
يبَسمِل ينتِشِى يصرُخ يثور
تتلضِم كُل الإبَر والخيط فِـ طوعُه
يبقا رَبّ وعدِّتُه المخاليق بتوعُه
وأبقا أوِّل حَد سرَّب للبَشَر خيّاط نَبِى
مبعوث عشان يهدينا للهِدمَة النّضيفَة
كانت براءِة الاختراع تشهَدلُه بالتخليد وبالسِّيرَة الخفيفَة
نفَّض خشونة الخيش عن النّاس أجمَعين
والنّاس أمَم واقفين على باب الحياة مترصَّصين
مَـ فتحلُهُم غير عَم صُبحِى وبدأت النَّاس تتكِسِى مِنُّه ببلاش
وأنا بندِهِش
مَع كُل مرّة بشوفُه يعمِل مُعجِزَة فِـ حتِّة قُماش
قاعد على بيانو مِن اللى مالوهش صوت
لكِن بيعزِف
كُل أما يلعَب.. ألقَى لون مِن بين إيديه ينزِف
يملَى كُل الدنيا مِن روحُه النَّبيَّة
كان كل شىء بيعاشرُه .. ياخُد مِنُّه حِتَّة
حتى القماش.. يتمنّى يلمِس إيدُه يتحوِّل چاكِتَّ
عاش عَم صُبحِى فِـ أوضتُه مبيطلَعش مِنها
لا النّاس بتخلَص.. ولا القماش بيجِف نَبعُه
عاش عَم صُبحِى وبَكَرِةِ الخيط جوّا طَبعُه
واللى طَبعُه الخيط نهايتُه بتبقى مرهونَة بـ مقَص
وزَّع حياتُه وروحُه على خِفِّة الرُّوح وَقت شُغلُه
وإيديه يا باى على تُقل إيدُه أمّا العَجَز خلاهَا تِرعِش
وقِّفِت إنتاج مصانعُه وصدَّى تِرس مُهِم مِن عَجَل الزَّمَن
ولقيتُه أحزَن مِن كمانجاتِى اتحَرَم مِن جوز إيديه
سانِد على الترابيزة بعد مَـ صحِّتُه سَنَدِت عليه
كانتِ دموعُه ساعتها أهوَن حاجة ممكِن ترتِطِم بالأرض
ومِش زعلان عليها
ويتخانِق بواقِى القُطن .. فتافيت القُماش .. وباقِى العِدَّة
على مين يرتويها!
وفِـ ظَرف غمضِة عين وِقِع عَـ الأرض
كُل الحاجات فِـ الأوضَة لونهَا إصفَرّ مِـ الخَضَّة!!
مستنِّيينوا يقوم . . . مقامش
مات عَم صُبحِى كإنُّه كان ومكانش
كُل القُماش إتلوِّن إسوِد بعدَهَا
وإتيتِّمِت كُل الإبَر بعديه
مات عَم صُبحِى .. قبل مَـ يفصَّل كَفَن يتدَارَى فيه
ومسابش شىء يشفعلُه غير.. طول الطَّريق
ومخدش شىء مِـ الدنيا غير .. مَـ أخَدش شىء
غير رَمْيتُه .. عايش وميِّت جوّا نَفس البيت
صعبَان عليّا يا عَم صُبحِى.. صعبَان عليّا
وكُل وِرثَك مِـ الحياة
إبرَة .. وبَكَرِة خيط!!
لوحة لـ نيرة إيهاب من جامعة الأقصر


خديجة عبدالرحمن من جامعة القاهرة تكتب: بيتزا فى غزة

لهاث دقات قلوبهم أثار طبول قلبى أنا الآخر، أنفاسهم المترقبة أجزم أنى رأيتها تعصف بأوراق الشجر الشحيحة حول المكان، قطرات العرق الهاربة على جلودهم وجباههم أشعرتنى باللهيب المستعر داخل كل منهم، حدقات أعينهم المرتكزة على النقطة ذاتها أربك لعابى فخنقنى.
مشاعر شتى وعواصف كدت أبصرها تتراقص من حولهم؛ فسرت قشعريرة فى بدنى وسقطت العصا الخشبية من يدى.
تبدلت أنظار الثلاثة نحوى، وهرع الأوسط لالتقاطها وتثبيتها فى يدى، فانطلق رنين خلع أفئدتنا تقريبًا من مكانها، صاح الأكبر فور سماعه:
- الآن.
وأوقف رنين الهاتف وعينه مثبتة على، فهربتُ من نظرته إلى الوجوه الأخرى المترقبة من حولى، ثم ازدردت لعابى، وأدخلت العصا فى ذاك الكهف الصغير المتقد... وببطء شاذ اللحن أخرجتها.
فلما برزت انطلق هتاف من أفواههم جميعًا هز أرجاء غزة، بل المعمورة بأكملها، فأطلقتُ الهواء المحبوس فى صدرى وأنا أضع الطبق الدائرى على الطاولة الحجرية، ليتحلق الجميع حولها مالئين صدورهم بالشذى الذى انبعث منها، فدمعت عينا الأوسط وهو يقول بابتسامة مرتبكة خجول وصوت أشبه بالهمس:
- نضجت!
أومأ الأصغر معقبًا بغبطة:
- أخيرًا! بيتزا منذ ستة أشهر!
رأيت العواصف خلف ثلاثتهم تستحيل أطيافًا ملونة بانقشاع الغيوم عن ابتساماتهم، لمعة فرح غزت أعينهم، قطرات الندى رطبت جباههم أخيرًا.
أنفاسهم هدأت، وعزفُ قلوبهم تردد فى الأجواء، فتبخرت الجبال التى جثمت على صدرى، وزفرتُ بارتياح، قبل أن أرفع بصرى للصغير الذى هتف وقد سال لعابه كأنما لم يفقد آخر أفراد عائلته منذ سويعات لينضم إلى تجمعنا:
- لنأكلها.
كادوا ينقضون عليها فور دخول صوته مجال سمعهم، فوضعت يدى أحجبها عنهم صائحًا:
- مهلًا!
ارتفعت حدقاتهم جميعًا نحوى وحواجبهم منعقدة، غير أن حجم ابتساماتهم لم ينقص، فرسمت ابتسامة مثلهم اعتادت غزو شفتى تحت قطن هذه الخيمة، وقلت بفخرِ طفلٍ بعمر أكبرِهم:
- هذه ليست بيتزا! بل قنبلتنا الملونة!
إسلام طه من جامعة عين شمس يكتب: الجنة فى الآخرة زى اللعب مع مىّ

صوت أذان العصر فى القرية
بيعبى أرض الطيارات بينا
أنا كنت أول طفل يسبق
لاجل أقابل مىّ فينا
أنا طفل آه... لكن ربنا وهبه التصور
ألهمه بالفطرة
إن الجنة فى الأآخرة
زى اللعب مع مىّ
وإن نور ضحكتها
بيعبى القرية ضَى
يجوز ساعتها أكون صَدّقت
إن العيال
مش محتاجين ورقة وقلم
وأنتِ وأنا محتاجين لخيط طيارة
نحزّم جِناب الشمس
ونرقصها عكس اتجاه الوقت
يمكن... ضحكتك تفضل شوية
تبقى أطول...
من مسافة الطيارة فوق السطوح
يا مىّ... أنا طفل شافك عطيّة
بتوئدى كل الجروح
وساعتها كل جروحى كانت
أسمع حكاية أذان المغرب
وأشهد فن لم الطيارات
كانت بيوتنا بتستعد
إزاى هتسمع مننا الحوارات
عن أعلى طيارة النهارده
ومين جنّح على التانى
إلا بيتنا... كان بيسمع
حزنى لما رجعت وأنتِ سايبانى!
صوت أذان الفجر بيقرب
والقمر إكمنو عارف
شق نفسه إتنين
والسما نازلة بتتسرب
بين دموع سحابتين
أملًا كل الطيارات
بكرة متلبسش إسود
واحد وعشرين أسرة
بتقدم مىّ قربان
جميع أطفال القرية نايمين
أنا يومها لما سألت عيلتى
وفــ عينى نظرة تمنّى
ألقى واحد فيهم يطمنّى
عيلتى بالإجماع
باصّين لى عكس
مش باصين
والدى دونهم جميعًا
باصص لى مش همه
كان الجحود فى عنيه
بيطالب عنيا تورث حاجة من دمه
لكن.... غصب عنى ورثت الإنسانية!
أول أذان من بعد مىّ
معرفش يملى الأرض بينا
والعيال مش أهلها
مش حاسين برودة
الطيارات من حزنها
دابت كيستها ولبست كيسة سودة
كنتى وحدك العشرة المبشرين بالوعد
مى، يم، كسر وضم
صبر أصم، حزن وأم
كل معادلات الحِسبة
بتأشر لنزول الدم
أرض الطيارات مسقية مىّ
والعيال من بختها
إن الأهل مش أهلها
وإن أرض الطيارات
مليانة دم ورى
ونفس التاريخ من كل عام
هيزيدوا مى وراها مى
قرآن جديد بيفشيكوا الإجابة
اهجروها هاربين
كفر العيال وصدق القاتلين!
أحمد رياض من المعهد العالي للتعاون الزراعي يكتب: شاعر يحاسب الشارع على المجازات

أسوأ ما فى الانتقال من شخص عادى
لشخص شاعر
أول ما تبدأ تحاسب الشارع على المجازات
وتلوم عيون الناس على الرؤية الطبيعى!
الصبح
فى التجربة الأولى لعنيا على التصوّر
بأخرج من الباب المؤدى لعالم الناس العادية
كان الضمير الشاعرى فيا
عمّال يناغش عقلى باستمرار
وعنيا شايفة الدنيا زى ما هوَّ شايف!
دول حبتين من شجرة الذنب اللى فى الجنة
دول مش شفايف!
والناس تذاكر فى الحياة الأتوبيس
والشجر عمّال يغير كمّادات الضل لجبين الطريق
الشارع..
مش الشارع.. دا «إسكتش» عابر شخبطة فان جوخ
ونساه على الكرسى اللى فى المترو
علشان كدا بقى حى عشوائى
داخل ف قلب المنطقة الراقية
والشمس راكية
مولعينها الجن وهما قاعدين يتصنطوا ع الرب
وبدأت أضيف الصوت إلى الأشياء..
أدان الفجر..
صوت الضمير الحى لقلوب البشر
والهوا..
حيوية الشارع وصوت المنطق
والبلكونات..
آخر نوتات الخفة فى جيتار السما
والناس..
دوشة الراديو ف بداية الإرسال
ووقوع الورق..
أول دندنات الطقس
بيتهوفن.. قرر يغنى
من هنا عملوا الكلكس!!
وبدأت أشوف الحاجة بعيون المجاز
أول ما بدأت رؤية الشىء الطبيعى تروح من عنيا
وبدأت اسلّم ع الهوا
والزرع
وجناب الطريق
وبدأت ألحّن معزوفات الشعر فوق وتر الطبيعة بجد..
وبدأت أشوف اللمسة وأسمعها
ونقلت خاصية العين فوق إيديا
وبستغرب إذا الناس العادية استغربوا!
بعدين بقول: دول ناس عادية
النهارده
قاعد وكل الدوشة بتعشش فى مُخى
وأقول لغيمة منطقية الأشياء: آسف.. ف رُخِّى
مؤلم بإنك تبقى حاسس نشوة الصياد
وخوف الفريسة..
بالطلقة لو رشقت ف صدر العسكرى
وصدره..
مرعب بإنك تبقى شايف..
والناس بحالهم عُمى
فيا بختك إذا كنت بتشوف الشوارع (شوارع)
والناس (بشر) ماشيين
ولا بانبهار العقل بالمجازات بتتغنى
على الأقل
كنت هتشوف الشفايف
شفايف
مش حبتين من شجرة الذنب اللى فى الجنة