الجمعة 04 أبريل 2025
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

المرق والملق.. هل صنع «العدس الأباظى» مجد ثروت أباظة؟

حرف

فى ليلة شتوية قاسية البرودة شاهدت فيلم «شىء من الخوف» لأول مرة. 

بعد ساعات كنت فى مكتبة «بيت الثقافة»، استعرت الرواية التى كتبها «ثروت أباظة» وأخذ عنها الفيلم قصته، قرأتها سريعًا، لأجد نفسى محبطًا تمامًا. 

كان الفارق بين الفيلم والرواية شاسعًا. 

كنت مأخوذًا تمامًا بمحمود مرسى وشادية «عتريس وفؤادة»، والحوار الذى كتبه عبدالرحمن الأبنودى والأغنية الخاطفة «يا عينى على الولد»، والروح التى زرعها حسين كمال فى كل مشهد، خاصة مشهده الأخير، الذى يجعلك لا تترقب ما سيحدث فيه، بقدر ما تترقب ما يجب أن يحدث فى الواقع بعد أن ينزل التتر. 

لم يكن فى الرواية شىء من هذا. 

شعرت بالملل بعد صفحات قليلة، قررت ألا أستكملها. 

بحثت وراء السر الذى جعل هذه الرواية رغم بساطتها وسذاجتها المفرطة تحديدًا مصدرًا لإلهام مجموعة من المبدعين، لينتجوا فيلمًا كان ولا يزال عظيمًا. 

لم أجد سرًا فى الرواية، اللهم إلا العبارة الخالدة «جواز عتريس من فؤادة باطل»، وهى من إبداع ثروت أباظة، لم يخترعها الأبنودى من عنده، حاول البعض أن ينسبها إليه، لكن هذا ليس صحيحًا. 

بعد سنوات كان عبدالرحمن الأبنودى يتحدث عن عمله فى فيلم «شىء من الخوف»، وحكى فى سياق حديثه أنه كان يجلس بجانب ثروت أباظة فى العرض الخاص للفيلم، وعندما بدأت المشاهد تتوالى تجسد الصراع بين عتريس وأهالى القرية، وجد ثروت يقول له: الله يخرب بيتك إنت قلبت الرواية، خليتها «حمرا» كده ليه؟ فى إشارة إلى اتجاهات الأبنودى الشيوعية. 

لم يلتفت الأبنودى إلى ثروت، يحكى فقط أنه رأى جسده الضخم يهتز فى غضب ويلتفت حوله، ويكرر وهو ينظر إلى عبدالرحمن: الله يخرب بيتك.. الله يخرب بيتك.

بنى ثروت أباظة مجده كله تقريبًا على حكايته مع «شىء من الخوف». 

قال إنه وقف فى وجه عبدالناصر، قال كلمة حق فى وجه سلطان جائر، قصده بما كتبه فى روايته، ولم يخش بطشه، بل إنه أشار إلى أنه كان يقصد السلطة بشكل واضح فى روايته «هارب من الأيام» التى صدرت فى العام 1958. 

.. وفى زفافه

ثروت أباظة فى طفولته مع ام كلثوم

بعد سنوات عدت مرة أخرى إلى عالم ثروت أباظة، استكملت قراءة «شىء من الخوف»، وكان سؤالى هو وفى خيالى المسافة بين شغفى بالفيلم ومللى من الرواية: لماذا لم يبق من أباظة شىء بعد رحيله؟ لماذا عندما كان حيًا كانت الدنيا كلها بين يديه، وبمجرد رحيله لا يتحدث عنه أحد لا مدحًا ولا نقدًا؟ هل أخذ ثروت أكثر من حقه؟ أم أنه ظلم بسبب مواقفه السياسية وكتاباته التى عادى بها الجميع؟.

 أنتج ثروت أباظة 27 رواية وكتب 40 قصة قصيرة وما يقرب من 40 مسلسلًا إذاعيًا

هذه وقفة مختلفة مع ثروت أباظة، محاولة للبحث عن حقيقة الرجل وقيمته بعيدًا عن التهوين من شأنه، وهو ما فعله خصومه بالحد الأقصى من الإساءة، أو التهويل فى حجمه باعتباره كاتبًا كبيرًا وروائيًا عظيمًا وصل بالبعض إلى المبالغة فى تقديره بأنه يستحق جائزة نوبل، ولا تعتقد أن من قالوا ذلك كانوا من صغار الكتاب أو الأدباء الذين يمكن أن نقول إنهم كانوا ينافقونه، لكن قالها نجيب محفوظ الذى كان صديقًا مقربًا من ثروت، ونعاه بما لم ينع آخرين من أصدقائه. 

خلال سنوات عمره الـ٧٥، ولد فى ١٥ يوليو ١٩٢٧ وتوفى فى ١٧ مارس ٢٠٠٢، أنتج ثروت أباظة ٢٧ رواية وكتب ٤٠ قصة قصيرة وما يقرب من ٤٠ مسلسلًا إذاعيًا، هذا خلاف آلاف المقالات التى نشرها متتابعة فى جريدة «الأهرام» صباح الإثنين من كل أسبوع وعلى مدار عشرين عامًا متواصلة. 

وخلال مسيرته المهنية شغل أباظة عدة مناصب مهمة، فقد تولى رئاسة تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون خلال العام ١٩٧٤، وأشرف على الصفحة الأدبية بجريدة «الأهرام» لما يقرب من عشرين عامًا من العام ١٩٧٥، وتولى رئاسة اتحاد الكتاب لعدة دورات متتالية، وفى سنواته الأخيرة كان وكيلًا لمجلس الشورى. 

عاش ثروت أباظة طوال عمره فى زفة أدبية كبيرة، إشادات بأعماله، كتابات نقدية من كتاب كبار، تحويل قصصه ورواياته إلى مسلسلات وأفلام سينمائية، وحوارات لا تنقطع فى الصحف والتليفزيون. 

كان هناك كثيرون يرون أنه لا يستحق شيئًا مما وصل إليه على الإطلاق، لكنهم فى الغالب كانوا يلتزمون الصمت، لكن جرى ما استدعى المواجهة والنقد وربما الفضح أيضًا. 

فى سبتمبر ١٩٩٨ كان ثروت أباظة يتحدث فى حوار مطول مع مجلة «المصور»، ومن بين ما قاله: لن تجد الآن كاتبًا فذًا مثل نجيب محفوظ أو مثلى أو مثل فتحى غانم، ولا أظن أن هناك ورثة لنا. 

استفز ما قاله ثروت أباظة الكاتب الصحفى والمحرر الثقافى المرموق فتحى عامر، الذى تحدث مع عدد من كبار الأدباء والمبدعين، ليس حول ما قاله ثروت أباظة، ولكن حول قيمته الأدبية. 

سليمان فياض: لولا فيلم «شىء من الخوف» كفيلم سينمائى لما كان لثروت أباظة شىء يذكر فى الحياة الثقافية

فى تقرير نشرته جريدة العربى فى ٢١ سبتمبر ١٩٩٨، قال الأديب الكبير سليمان فياض: لولا فيلم « شىء من الخوف» كفيلم سينمائى لما كان لثروت أباظة شىء يذكر فى الحياة الثقافية، فهو لم يضف شيئًا للرواية؛ لأنه كاتب يحكى حواديت وفنه الروائى متوقف عند الفترة التى كانت قبل إبراهيم عبدالقادر المازنى، فهو يكتب بسرعة وبدون أى عمق وليس فى تجربته أى تنوع فى الأسلوب فهو يسير على أسلوب واحد لم يغيره كقطار السكة الحديد الملتزم بالقضبان. 

وتساءل الناقد عبدالرحمن أبوعوف: هل ما أنتجه ثروت أباظة يعد أدبًا فعلًا؟ 

ويجيب عن سؤاله: إن كل ما يطلق عليه من كتاباته تجاوزًا على أنه رواية مختلف فى الشكل والمضمون عن رواية «زينب» لهيكل التى كتبت عام ١٩٠٧، كما أن تجاهل النقاد له منذ الأربعينيات حتى الآن بما فى ذلك النقاد الكلاسيكيون من أمثال شكرى عياد، وعبدالقادر القط لهو أكبر دليل على أنه لم يبدع أدبًا، فهو يكتب إنشاء، وبصرف النظر عن المضمون الرجعى لرواياته، إلا أن أسلوبه إنشائى لفظى بلاغى، ليس فيه عناصر البناء الروائى، مثل بناء الشخصية، والجو والتطور الروائى والشاعرية والتعبير غير المباشر، كل هذا غير موجود فى أدبه، لهذا فهو لم يؤثر فى أى جيل من الأجيال الأدبية. 

يقول يوسف القعيد: أنا لم أستفد أى شىء على الإطلاق من تجربة أباظة الأدبية، وهو لم يشكل أى استفادة على الإطلاق لجيل الستينيات، كما أن إدخال اسم ثروت أباظة مع نجيب محفوظ وفتحى غانم هو نوع من الإقحام الذى ليس له أى مبرر، وهذا أشبه بأن أسألك: عندك كام فدان؟ فتقول أنا وابن عمى عندنا ٢٠٠ فدان، مع أنك لا تملك إلا ربع فدان، فأسلوب ثروت أباظة عفا عليه الزمن وبلاغته قديمة ولغته متقعرة.

ثروت أباظة فى طفولته مع ام كلثوم

دخل جمال الغيطانى على الخط. 

قال: ثروت أباظة على غير ما يبدو، فهو إنسان طيب لكنه حصر نفسه فى مجالين جرا عليه متاعب كبيرة، لأنه لم يكن مؤهلًا لهما: الأول هو الكتابة الأدبية، والثانى هو السياسة، وبالنسبة له فالزمن متوقف عند ما قبل ١٩٥٢، وهو أديب قيمته متوسطة، يعنى متأدب، أكثر من كونه أديبًا، عنده لغة، لكن موهبته صغيرة جدًا جدًا، وليس له أى تأثير على أحد، كل ما هناك أن قيمته الأدبية اكتسبها من صداقته لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، فكان يقوم بتوصيلهما بسيارته الـ«كاديلاك»، كما أن قيمته الأدبية اكتسبها من قيمته الاجتماعية وليس من إبداعه، فلا أحد يمكن أن يذكر اسم بطل من أبطال رواياته. 

ثروت أباظة فى شبابه

ويصف الناقد مجدى توفيق روايات ثروت أباظة بأنها تقليدية فى موضوعها وبنائها، وتعتمد على دراما العائلات، وعليه فهو لا يمثل أى إضافة نوعية للقصة، بل يظل ممثلًا للبناء التقليدى بعد زوال المجتمع القديم الذى كان هذا البناء مرتبطًا به، وهو لم يؤسس لشىء جديد حقيقى، لهذا لا يتأثر به غير النمط التقليدى الرجعى من الأدباء. 

سعيد الكفراوى ساهم فى تقييم ثروت أباظة. 

قال: لم نستفد من مشروع ثروت أباظة؛ لأنه خارج العملية الإبداعية أصلًا، وبالتالى خارج الزمن، خارج العملية الإبداعية لأنه ينتمى لأدوات قديمة ومستهلكة على مستوى اللغة والموضوعات التى يتناولها لأنها تخص نظرة ثروت الطبقية للأمور. 

الناقد الكبير إبراهيم فتحى سلك طريقًا مختلفًا فى تقييم ثروت، حيث عاتبه لأنه كتب مقالًا فى الأهرام تحدث فيه عن أن رواية «الساعة الخامسة والعشرون» من تأليف سولجنستين مع أنها رواية عالمية مشهورة جدًا لكاتب رومانى وهو جورجسكو، كما أنه اعتبر كتاب «آثرت الحرية» لفيكتور كرفتشنكو من روائع الأدب العالمى مع أنه كتاب لا علاقة له بالأدب، وقيمته لا تتعدى قيمة كتاب اعتماد خورشيد عن صلاح نصر، ومؤلفه مهندس روسى ليس من الأدباء. 

مقال جلال أمين فى العربى

كان يمكننا أن نطمئن إلى هذا النقد لثروت أباظة، لو أنه تم فى سياق موضوعى، لكن جريدة «العربى» فى هذا الوقت كانت تقف فى مواجهته، لأنه تسبب فى حبس صحفيين ولم يتراجع أو يقبل أى تسوية، وكان من بين هؤلاء الصحفيين الكاتب الصحفى جمال فهمى، الذى كان ينتمى للجريدة. 

ولذلك لم يكتف الصديق الراحل فتحى عامر- رغم نزاهته وموضوعيته- بجلب من يطعنون فى ثروت أباظة، ففى مقدمته لهذا التقرير فعل ذلك أيضًا، حيث سأل: هل الأستاذ ثروت أباظة من الأدباء الأفذاذ الذين قدموا للأدب العربى إسهامات حقيقية أثرت فى الأجيال التالية، وهل هو مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحيى حقى وفتحى غانم ويوسف إدريس؟ 

ثروت أباظة مع أولاد عمه

ويجيب فتحى عن السؤال الذى طرحه: الرجل كتب عددًا من الروايات، ولكن ما هو أثرها؟ وإلى أى عصر تتنسب؟ وعن أى مضمون تعبر؟ وما مدى انتسابها إلى الفن الروائى؟ 

من بين ما كان يعتز به ثروت أباظة أن الدكتور طه حسين أشاد بروايته «هارب من الأيام»

ويضيف فتحى: ثروت أباظة يقول إنه لا يهمه رأى النقاد فى أدبه ما دام طه حسين كتب مقدمة لإحدى رواياته، فهل كان ما كتبه طه حسين عن رواية ثروت أباظة بمثابة هفوة الفارس؟ وإلا فكيف نفسر تجاهل جميع النقاد من ذوى القيمة لما يكتبه ثروت أباظة إذا استثنينا المتطفلين على النقد الأدبى، ونقاد «العدس الأباظى» وهو نوع من العدس مطبوخ باللحم الضانى يشرب منه النقاد المرق ويبدأون وصلة النفاق والملق. 

لم يطعن فتحى هنا فى ثروت وما أنتجه من روايات وقصص قصيرة فقط، لكنه طعن فى النقاد الذين روجوا له، وصنعوا شهرته ومجده، فهم أسرى عطاياه، ورغم أن حكاية «العدس الأباظى» حقيقية، إلا أننا لا يمكن أن نسلم بأنها وحدها من صنعت مجد ثروت أباظة الذى استمر لعقود. 

قد لا يكون ملائمًا بالطبع أن نعتمد على التقرير الذى كتبه فتحى عامر وحده فى تقييم ثروت أباظة، لكن ليس معنى ذلك وهو انطلاق حملة العربى ضد ثروت أباظة من أرضية انتقامية، ألا نلتفت إلى بعض ما جاء فيها، باعتباره كلامًا موضوعيًا تم توظيفه لأغراض سياسية، خاصة أن هناك أدباء ونقاد كبار شاركوا بالرأى والتحليل، وهو ما ساهم فى تفكيك ظاهرة ثروت أباظة بالقدر الكاف لمعرفة قيمته الحقيقية وحجمه كما هو على الأرض بعيدًا عن الدعايات المبالغ فيها. 

.. ومع ابنته أمينة

لكن قبل تفكيك الظاهرة، أعتقد أن تتبع ملامح تكوين هذه الظاهرة مهم. 

ما كتبه ثروت فى مذكراته التى أطلق عليها «ذكريات لا مذكرات.. سيرة شبه ذاتية» من أنه ظل فى بيته بلا عمل لمدة ٢٤ عامًا يمكنه أن يقودنا إلى المفتاح الصحيح الذى يمكننا أن ندخل به إلى عالمه الخاص. 

قال ثروت: أربعة وعشرون عامًا من عمرى قضيتها بلا وظيفة، واضطررت فى أثنائها إلى بيع معظم ما تركه أبى لى من أرض حتى أواجه الحياة الضرورية. 

كان لهذه البطالة التى عانى منها ثروت منغصات عديدة على حد وصفه. 

يقول: لعل بقائى هذا فى البيت كان السبب المباشر لكثرة الشجار بينى وبين زوجتى، وربما كانت سننا المبكرة سببًا آخر فى التمسك بتوافه الأمور وصغيرها وتضخيم الأخطاء والمبالغة فى تقويمها، وقد استمرت هذه الحالة من الشجار حتى علت بنا السن وبلغنا الأربعين تقريبًا. 

كانت هذه الفترة التى انتهت تقريبًا فى العام ١٩٧٤ سببًا فى حالة العداء الشديدة التى كان يظهرها لعبدالناصر وعصره، رغم أنه فعليًا لم يصب بأى أذى على يد عبدالناصر. 

أول وظيفة شغلها ثروت أباظة بعد فترة البطالة الطويلة كانت رئاسة تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، وفى المجلة حدث ما يمكننا اعتباره محطة مهمة فى حياته. 

كتب ثروت مقالًا عنوانه «فى أى شىء صدق؟» كان بمثابة الرصاصات الأولى فى حملة الهجوم على جمال عبدالناصر وعلى عهده، أهال فيه التراب على كل شىء فى هذا العصر الذى قال عنه: إلى غير رجعة يا زمن الهمس والصراخ، والنوم المفزع، والقلق الشائع، والخوف المبيد، والعرض المباح، والدم المسفوك، والشرف الجريح، والتاريخ الممزق، والأمل المظلم، واليوم الكالح، والغد العبوس، والحق المضاع. 

فى كتابها «زوجى ثروت أباظة» تقول عفاف أباظة: كلفه هذا المقال منصبه كرئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، التى قفز توزيعها فى عهده إلى أرقام تفوق التصور، حتى إن شيخ الصحفيين مصطفى أمين قال له: لقد صنعت من الفسيخ شربات، وقد أقاله الرئيس السادات من منصبه إظهارًا لغضبه، وطلب منه الأصدقاء أن يكتب مقالًا آخر يعتذر فيه عن المقال السابق، لكنه رفض رفضًا قاطعًا وقال: دون ذلك الموت. 

.. ومع حفيدته الوسطى عفاف

نقلت الزوجة ما قاله لها زوجها، فلم يكن فى العام الذى قضاه ثروت أباظة رئيسًا لتحرير الإذاعة والتليفزيون أى عمل مهنى مميز، ثم إنه لم يكن إلا محاولة لاختراق حاجز الصمت عن عبدالناصر، وكان هذا المقال من أوائل الكتابات التى بدأت الحملة التى كان السادات يريدها بشدة، وإن لجأ إلى حيلة أتقنها، وهى إظهار الغضب والاستياء ضد من يهاجمون عبدالناصر، لكنه لا يأخذ ضدهم موقفًا حاسمًا. 

ففى الوقت الذى تقول عفاف أباظة إن زوجها دفع ثمن مقاله وخرج من منصبه كرئيس لتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، فإنه تم تعيينه فى جريدة الأهرام، وأصبح مسئولًا عن الصفحة الأدبية، وهى المسئولية التى استمرت لعشرين عامًا. 

فى عصر مبارك تضحمت ظاهرة ثروت أباظة، لكن مع بدايات تسعينيات القرن العشرين ومع بدايات صحافة التمرد، بدأ ما يمثله ثروت أباظة عرضة إلى التفكيك والنقد والمراجعة. 

كان صاحب الضربة الأولى والأخطر فى تفكيك ظاهرة ثروت أباظة مقال كتبه جلال أمين فى جريدة الأهالى نشره فى ٢٧ يناير ١٩٩٣، كان معظم الكتابات التى تلته مأخوذة منه بشكل كامل تقريبًا. 

جلال أمين: ثروت أباظة ظاهرة مهمة فى حياتنا الثقافية ملأ الدنيا وشغل الناس

كان عنوان مقال جلال أمين «ثروت أباظة.. وجريرة السبعينات». 

اعترف جلال فى بدايته للقارئ بأنه مهتم منذ فترة طويلة اهتمامًا شديدًا بالأستاذ ثروت أباظة وليس السبب أنه قرأ بعض رواياته فأعجب بها، أو أنه معجب بأسلوبه فيما ينشره من مقالات فى جريدة الأهرام. 

يقول أمين: أنا والحق يقال لم أشرع فى قراءة أكثر من رواية واحدة من رواياته، وعذرى الأساسى فى هذا هو ما أقرأه له فى جريدة الأهرام، فهذه المقالات كانت ولا تزال تثير دهشتى أكثر مما تثير إعجابى بغرابة موضوعاتها وأفكارها. 

ويحدثنا جلال أمين عن سبب اهتمامه الشديد بالأستاذ ثروت أباظة. 

ثروت أباظة: أربعة وعشرون عامًا من عمرى قضيتها بلا وظيفة.. واضطررت فى أثنائها إلى بيع معظم ما تركه أبى لى

يقول: يرجع ذلك إلى المكانة الكبيرة التى يحتلها فى الحياة الثقافية المصرية، وذيوع شهرته وكثرة تردد اسمه فى وسائل الإعلام، فهو كما يعرف الجميع رئيس اتحاد كتاب مصر، وهى هيئة مهمة، وعليها مسئوليات كبيرة تجاه أدباء مصر خاصة الشبان منهم، وهو من كتاب جريدة الأهرام الدءوبين عبر فترة طويلة من الزمن، وتحتفل الأهرام بمقالاته الأسبوعية، فتشير إليها فى الصفحة الأولى، كما تفسح له صفحات بكاملها لمدة أسابيع وشهور لنشر رواياته الطويلة مسلسلة، والآن لنشر سيرته الذاتية، والأهرام هى ما هى بين الجرائد المصرية، والوصول إلى منصب كاتب من كتابها حلم لا يداعب خيال أكثر كتابنا نبوغًا وألمعية، واسم الأستاذ ثروت لا يأتى فى الإعلان عن البرامج التليفزيونية والإذاعية العديدة التى يشترك فيها إلا مقرونًا بوصف الكاتب الكبير، كما أن بعض رواياته قد جرى تحويلها إلى أفلام سينمائية، وقامت هيئة الكتاب بإعادة طبع كتبه فى مجلدات تحمل عنوان «الأعمال الكاملة»، وهذا لا يحدث عادة إلا للكتاب العظام، والأستاذ ثروت بحكم موقعه فى جريدة الأهرام ومنصبه فى مجلس الشورى ورئاسته اتحاد الكتاب، يجلس دائمًا فى الصف الأول عندما يلتقى رئيس الجمهورية بالكتاب والمفكرين، بل إنه يسمح له أحيانًا بمقابلة رئيس الجمهورية مقابلات خاصة تنشر الصحف صورها. 

ويتعجب جلال أمين: لا يقل أهمية عن ذلك ما يشير إليه بعض عظماء كتابنا إليه من عبارات التقدير والتكريم، أهمها ما صدر أكثر من مرة من أديبنا الكبير نجيب محفوظ، عندما يسأل عمن يقدرهم من الكتاب المصريين، بل إن نجيب محفوظ إن لم يكن قد خانتنى الذاكرة، ذكره مرة من بين من يستحقون جائزة نوبل، قد يقال إن نجيب محفوظ معروف بالمجاملة الشديدة، بل والذهاب إلى أبعد من اللازم فى ذلك، وقد تكون إشاراته للأستاذ ثروت هى من باب الإمعان فى المجاملة التى لا يقصد أن تؤخذ مأخذ الجد، ولكن هل يجوز حقًا أن نفترض أن رجلًا كنجيب محفوظ يستسهل إطلاق عبارات الثناء إلى هذه الدرجة، وأنه أحيانًا يقول ما لا يعنيه حقيقة؟ 

ويرصد جلال أمين موقعية ثروت أباظة لدى الآخرين من الكتاب الكبار غير نجيب محفوظ. 

يقول: علاقته بغير نجيب محفوظ من عظماء كتابنا تبدو أيضًا وثيقة وحميمة، هكذا كانت علاقته بتوفيق الحكيم، لكن يقال إن توفيق الحكيم كان رغم كونه فنانًا عظيمًا يميل دائمًا إلى تغليب مصلحته الخاصة على غيرها من الاعتبارات، وأن حسه الخلقى كان أضعف من حسه الفنى. 

ويضيف جلال: الأمر لا يقتصر على نجيب محفوظ والحكيم، بل يمتد إلى غيرهما من رجال الصف الثانى أو الثالث من أدبائنا ومفكرينا، ولا يمكن أن نتهم هؤلاء جميعًا بسوء النية، فالروائى الشهير جمال الغيطانى على سبيل المثال نشر منذ شهور حديثًا مع الأستاذ أباظة، أعلن عنه فى الأسبوع السابق على نشره رغبة فى تشويق القراء، وأشار إليه أيضًا بوصف الأديب الكبير، ومن ناحية أخرى كتب الناقد الكبير الأستاذ رجاء النقاش فى مقال له بالمصور قبل تعيينه رئيسًا لتحرير مجلة الكواكب بأسابيع قليلة، كتب عمودًا أو عمودين رقيقين فيهما ثناء وتقريظ شديد للأستاذ ثروت.

وفى محاولة للتفسير يقول جلال: قد يقال مرة أخرى إن هذا الصف الثانى أو الثالث من الكتاب المصريين هم أكثر استعدادًا للمجاملة من رجال الصف الأول، بسبب ما يتعرضون له من متاعب اقتصادية، أو بسبب طموحاتهم التى لا تقف عند حد، ولكن هل يجوز حقًا أن نعتقد أن هذا الجيل من الكتاب ما زال حتى الآن يتعرض لمتاعب اقتصادية مع كل ما أحرزه من نجاح؟ 

فى مقاله يقر جلال أمين أن ثروت أباظة ظاهرة مهمة فى حياتنا الثقافية، ملأ الدنيا وشغل الناس طوال العشرين عامًا الماضية على الأقل- تاريخ نشر المقال مرة أخرى يناير ١٩٩٣- وعليه من وجهة نظر جلال فهو يستحق التوقف عنده أيًا كان الرأى فى كتاباته. 

كتب جلال أمين هذا المقال على هامش نشر جريدة الأهرام مذكرات ثروت أباظة، التى رأى أنها بلا قيمة على الإطلاق، لكن الأهم من هذا الحكم كان ما قاله جلال فى تفسيره لسر لنجاح ثروت أباظة كل هذا النجاح. 

يقول جلال: أعتقد أن هناك سببين لهذا، أحدهما شخصى لا يهمنا كثيرًا، والآخر عام هو الذى يستحق منا الاهتمام. 

السبب الشخصى الذى لم يتوقف عنده جلال طويلًا، يتعلق بصفات فى شخصية الأستاذ ثروت نفسه، لابد أنها هى التى تفسر موقف رجال مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم منه، أو قبول طه حسين أن يكتب مقدمة لأحد كتبه. 

أما السبب العام فيقول عنه جلال: هذا السبب هو الذى أعنيه بجريرة السبعينات، فالأوصاف التى يمكن أن يوصف بها الرئيس السادات كثيرة، ولكن من المؤكد فى رأيى أن من بينها صفة قد يتفق عليها حتى بعض أنصاره، وهى «عدم الانتماء»، فعلى الرغم من كل ما فعله وقاله السادات للتظاهر بغير ذلك، فإن هذه الصفة يشهد بها كل ما نعرفه عن تاريخه السياسى قبل وبعد الثورة، وكل ما كتب من مذكرات عن تاريخ الثورة، بما فى ذلك كتابه نفسه «البحث عن الذات». 

كان انتماء السادات الحقيقى- كما يرى جلال- لنفسه، كما يظهر من مواقفه السياسية المختلفة، ومن سلوكه الشخصى، وعاداته اليومية، بل ومما كان يرتديه من أزياء مختلفة، كانت شخصية السادات ملائمة لعقد السبعينيات، فقد كان «عقد تصفية الانتماءات، الانتماء للعرب وللفلسطينيين وللفقراء وللعالم الثالث، ولم يكن يستطع أن يقوم بهذا كله إلا رجل لا منتم. 

ما علاقة ذلك بثروت أباظة؟ 

يقول جلال: كان من الطبيعى ألا يرتاح هذا القائد غير المنتمى إلا إلى رجال غير منتمين مثله، أو رجال انتماؤهم الحقيقى لأنفسهم، وقد كانت نتيجة ذلك أوضح من أن تخطئها العين فى الأشخاص الذين انتقاهم السادات لتولى مختلف المسئوليات فى المؤسسات السياسية وفى الإذاعة والتليفزيون والصحافة والثقافة بوجه عام، فمن بين الرجال الذين استعانت بهم ثورة ٥٢ فى الخمسينيات والستينيات قرب السادات بوجه خاص عثمان أحمد عثمان وسيد مرعى، ومن بين المشتغلين بالأمور الثقافية لمعت أسماء من نوع رشاد رشدى وثروت أباظة. 

يفترض جلال أن ثروت أباظة سيعترض على ما قاله، ويقول له إن المسألة هى مسألة يمين ويسار؟ 

ويرد جلال على ما قد يقوله ثروت: الحقيقة أنها كانت مسألة انتماء أو عدمه، وسبب التباس الأمر هو أن أغلب رجال اليسار هم من المنتمين، وأغلب رجال اليمين هم من غير المنتمين. 

هذا عن السبعينيات، فمن الذى جعل ثروت أباظة يستمر خلال ما يقرب من عشرين عامًا فى عهد مبارك؟ 

يحاول جلال أمين التفسير مرة أخرى. 

يقول: عندما جاءت الثمانينيات، كان من بين ما ورثته السبعينيات، بالإضافة إلى التركة السياسية الثقيلة «صلح مع إسرائيل- علاقة خاصة مع الولايات المتحدة- برود مع العرب- لا مبالاة تجاه الفقراء- تركة ثقافية من سماتها سيادة اللا منتمين» وفى ظل هذا الميراث استمر الأستاذ ثروت أباظة يكتب ويكتب الروايات والقصص والمقالات، ويستضاف فى التليفزيون والإذاعة، ويشار إليه دائمًا دون استثناء بالكاتب الكبير. 

كان معروفًا أن ثروت أباظة لا يصمت فى مواجهة من يهاجمونه، لكنه لم يرد على جلال أمين، وسنعرف سر ذلك بعد قليل. 

بعد ما يقرب من ١٠ سنوات عاد جلال أمين مرة أخرى إلى الكتابة عن ثروت أباظة، ولكن هذه المرة فى جريدة العربى، التى نشرت له مقالين مطولين فى ٥ و١٢ مايو ٢٠٠٢ أى بعد وفاة ثروت بما يقرب من شهرين فقط. 

كتب جلال أمين هذه المرة تحت عنوان «ظاهرة ثروت أباظة»، ولن يكون مفاجئًا لك إذا قلت لك إن جلال أعاد مرة أخرى ما نشره فى مقاله الأول «ثروت أباظة وجريرة السبعينات» ولم يكن هناك جديد إلا فى سطور هنا أو سطور هناك، وبعض محاولات للبحث عن أسباب أخرى لاستمرار ثروت كل هذه السنوات، هذا غير وضع المقال فى سياق وفاة من يكتب عنه بالطبع. 

بدأ جلال مقاله هذه المرة بقوله: للمصريين مزايا كثيرة، ولكن بهم عيوب لا يجب إنكارها، نحن شعب صبور، قانع إلى ما يقرب أحيانًا من الزهد، خفيف الظل، له موقف بالغ التحضر من الحياة والموت، وفى معاملة الغرباء والضعفاء، متسامح سريع الصفح، ولديه القدرة على الترتيب الصحيح للأولويات، وينفر من المبالغة فى الاهتمام بالصغائر وتوافه الأمور، وهو أكثر تقديرًا للخلق الكريم منه للقوة أو المال، ولكن المصرى أيضًا قد يزيد صبره عن الحد المقبول، فيقبل أكثر مما يجوز قبوله، وهو مجامل إلى حد الإفراط، وكثيرًا ما يفضل السكوت عن الجهر بالحق طلبًا للسلامة أو كرهًا للعنف، وهو قد يسرع إلى التسليم باستحالة الإصلاح وإلى الاعتقاد بأن الأمور ستظل على الأرجح على ما هى عليه، مهما بذل من جهد، قانع أحيانًا إلى درجة فقدان الهمة، متسامح أحيانًا إلى درجة تجافى الشجاعة. 

يأخذ جلال من مساحة التناقض هذه فى صفات المصريين مدخلًا لأن يقول: هذا كله كان له أثر فى كثير من الظواهر الاجتماعية فى مصر وفى تشكيل بعض ملامح التاريخ المصرى، ومن هذه الظواهر والملامح مثلًا رسوخ ظاهرة الطبقية فى المجتمع المصرى، وأقصد بها استعداد المصريين بدرجة تفوق ما يمكن أن يلاحظ فى غيرهم لقبول انقسامهم إلى طبقات، وكأنه انقسام طبيعى وسنة من سنن الكون، ومنها أيضًا موقف المصريين بصفة عامة من السطلة أى سلطة، وفى أى ميدان من الميادين، سياسته كانت أو إدارته أو ثقافته، فصاحب السلطة فى مصر مرهوب ومطاع، حتى وإن لم تتجاوز سلطته التوقيع على تجديد رخصة سيارة، يتودد إليه ويخطب وده ولو لمجرد تفادى شره، فإذا كان صاحب السلطة هو أيضًا من المنتمين إلى الطبقات العليا من البشوات والبكوات، تضاعفت الرهبة وزادت الجهود المبذولة للتودد إليه والتقرب منه، أو على الأقل قوى الاستعداد لغض البصر عن أخطائه والسكوت عن نقائصه. 

هذه المرة يمنح جلال ظاهرة ثروت أباظة بعدًا اجتماعيًا، فقد تضخم كل هذا التضخم، لأن سماتنا كشعب تسمح بذلك، فقد كان صاحب سلطة ومن عائلة، لذلك استطاع أن يحصد كل ما حصده دون أن يستحق ذلك. 

جلال يقول لنا ذلك بنفسه: طافت بذهنى هذه الخواطر عندما شرعت أبحث عن تفسير لهذه الظاهرة المدهشة فى التاريخ الحديث للثقافة المصرية، ظاهرة الأستاذ ثروت أباظة، الكاتب والروائى المعروف. 

وكما تحير جلال أمين وهو يكتب عن ثروت أباظة فى العام ١٩٩٣ من كثرة المادحين له، فإنه تحير أيضًا وهو يكتب عنه بعد وفاته، إذا استوقفته حالة الرثاء له. 

يقول: لم يكن غريبًا أن يحظى خبر وفاة الأستاذ ثروت أباظة باهتمام كبير من وسائل الإعلام المصرية، ولكنى لا أخفى استغرابى أن شارك فى الكتابة عنه بعد وفاته هذا العدد الكبير من الكتاب الكبار والصغار، المشهورين والمغمورين، لقد حرص كثيرون من هؤلاء على الإشارة إلى اختلافهم معه فى الكثير من مواقفه، وكأنهم يحاولون التخفيف من وقع ما سوف يكتبون فى الإشادة به، ولكنهم جميعًا لا بد أنهم شعروا بنوع أو آخر من الواجب يقتضى منهم المشاركة فى رثائه والتعبير عن حزنهم لفقده. 

فى مقاله الثانى حاول جلال أمين تعرية ثروت أباظة تمامًا، قرر أن ينزع عنه كل وأى شىء يستر نفسه به. 

من بين ما كان يعتز به ثروت أباظة أن الدكتور طه حسين أشاد بروايته «هارب من الأيام»، وقد وثق ما جرى بالتفصيل فى كتابه «ذكريات طه حسين». 

يقول ثروت: صدر كتابى «هارب من الأيام» وكان أقصى أمل أطمع فيه أن يقرأ طه حسين الكتاب، وكان هذا الأمل يلوح لى كسراب فى صحراء، يبدو وما يلبث عند التمعن أن يختفى، فمن أنا حتى يقرأ لى طه حسين؟

ويضيف ثروت: فى يوم زارنى أمين غراب، وقال هلم بنا إلى الدكتور طه، وسألته: ما المناسبة؟ قال: لا مناسبة.. لقد قرأ روايتك ويريد أن يراك، قمت من فورى مع أمين، فما هى إلا الومضة الخاطفة حتى كنت جالسًا إلى الدكتور طه، وكان معه بعض الزوار، وكان الحديث بينه وبين زواره جاريًا، فتركه فى مجراه بعض الوقت ثم مال إلى: هيه يا عم ثروت.. روايتك عظيمة، فقلت: يكفيها شرفًا أنك قرأتها، وحينئذ قال جملة سأثبتها هنا مهما يكن فى إثباتها من نرجسية، فربما كان رأيى أنا غير هذا الرأى، ولكنها كلمة سمعتها من طه حسين ولم أقلها إلا إلى الخاصة المقربين، استحياء من العجب والزهو. 

كانت الجملة التى يقول ثروت إن طه حسين قالها له هى: بإخلاص لم يكتب فى تاريخ العربية عن الريف المصرى مثلما كتبت أنت فى هارب من الأيام. 

يقول ثروت: ما هى إلا أيام قلائل حتى ضرب جرس التليفون فى منزلى، وكانت جريدة الجمهورية، وطلب المتحدث منى صورة لى لينشرها مع مقال الدكتور طه عنى، فأرسلت الصورة ولم أنم الليل وانتظرت الجريدة مع الفجر، وجلست أقرأ المقال. 

وضع ثروت أباظة هذا المقال فى الطبعات التى صدرت بعد ذلك من روايته «هارب من الأيام»، وربما كان هذا ما جعل كثيرين، منهم جلال أمين يعتقد أن طه حسين كان قد كتب مقدمة للرواية أو أنه قام بتدشين أباظة كأديب. 

يقول جلال أمين: الأمر الأكثر مدعاة للدهشة وإن كنت أستطيع أن أتصور أسبابه هو قبول الدكتور طه حسين كتابة المقدمة لقصة «هارب من الأيام» وأن يصفها بأنها ممتعة، فمن يقرأ هذه المقدمة اليوم لا بد أن يتصور مدى العناد الذى لقيه طه حسين وهو يجلس مضطرًا لكتابتها، فهو يذكر شعوره الحقيقى إزاء القصة فى مجلة، ثم يشعر بضرورة إطرائها على نحو أو آخر، ثم يؤنبه ضميره على ما فعل فيعبر مرة أخرى عن حقيقة مشاعره. 

يأخذ جلال بعضًا مما كتبه طه حسين فى مقاله، ليدلل على ما يريده. 

يقول طه حسين: أعترف بأن عنوان القصة وقع فى نفسى موقف الغرابة، فليس الهرب من الأيام شيئًا يتاح للأحياء مهما فعلوا، إلا أن يفرضوا على أنفسهم الموت، وأكبر الظن أن هذا العنوان إنما راق المؤلف لأنه فيه شيئين، الغرابة والغموض، يروعانه هو أولًا، ويروعان كثيرًا من قرائه بعد ذلك، وإن كان شىء منهما لم يرعنى، ولو أنى أطعت العنوان لأنصرفت عن قراءة القصة، ولحرمت نفسى متعة قيمة حقًا. 

ويضيف طه حسين بعد قليل: وما أظن الواقعيين بين كتابنا من الشباب يرضون عن هذه القصة كل الرضا، فهى لا تصور الواقع كما يصورونه، وكما يجب أن يصوره غيرهم من الذين يعرضون لكتابة القصة خاصة، أو للإنشاء الأدبى بوجه عام. 

يعلق جلال على ما قاله طه حسين: واضح أن طه حسين يستصعب الكتابة عن القصة ولا يدرى ماذا يقول دون أن يغضب مؤلفها. 

وكما عارض جلال أمين ما كتبه طه حسين عن ثروت أباظة بغرض إفساده وتشويهه وتصوير الأمر على أنه دفع دفعًا إلى الكتابة رغم أنه لا يوجد شىء يشير إلى ذلك، فإنه توقف عند ما كتبه نجيب محفوظ عن ثروت بعد وفاته. 

كتب نجيب يرثى ثروت: كان أديبًا كبيرًا نبيلًا وصديقًا كريمًا وفارسًا نبيلًا. 

وفى موجة غضب كتب جلال: مثل هذه العبارات هى التى دفعتنى إلى التوقف للتفكير فى دور الأستاذ ثروت أباظة فى الثقافة والسياسة المصرية، بل لعلها هى التى دفعتنى إلى كتابة هذا المقال أصلًا. 

سخر جلال من كل شىء يتعلق بثروت أباظة، أعاد مرة أخرى نشر قصة بطالته واستمراره بلا عمل فى بيته، لكنه هذه المرة قال: كانت هذه الفترة «٥٨- ١٩٦٧» فترة مجدبة فى حياة ثروت أباظة الأدبية، إذ لا تظهر قائمة أعماله أى عمل منشور له فيما بين رواية «هارب من الأيام» ١٩٥٨ وقصة «شىء من الخوف» ١٩٦٧، وهى حقيقة لا تخلو من غرابة بالنظر إلى أن هذه الحقبة كانت من أخصب الحقب فى تاريخ الحياة الثقافية فى مصر. 

ثروت أباظة مع أسرته

لم يمر مقال جلال هذه المرة دون رد، ففى ٢٦ مايو ٢٠٠٢ تكتب عفاف عزيز أباظة زوجة ثروت ردًا غاضبًا وقاسيًا وحاسمًا أيضًا. 

قالت عفاف: ظاهرة ثروت أباظة كما قال الأستاذ جلال أمين فى مقاله بدأت حين أفسح له الكاتب الكبير والعالم العظيم الأستاذ الدكتور أحمد أمين صفحات مجلة «الثقافة» الشهيرة التى كان يرأس تحريرها فى الأربعينيات، وكان ثروت أباظة لا يزال طالبًا فى كلية الحقوق، فهل يا ترى كان يجامله.. ولماذا؟ وقد لا يعلم الكاتب أن ثروت أباظة لم يشأ أن يعنف به أو يقسو عليه لنقده له نقدًا خفيفًا ليس فيه موضوعية بل فيه كراهية فقط، لم يعنف به إكرامًا لذكرى والده الذى كان له عليه فضل. 

 زوجة ثروت أباظة: لو لم يكن متميزًا لما نال جائزة الدولة التشجيعية ثم التقديرية.. ولما قررت وزارة التعليم تدريس أول عمل أدبى له وهو «ابن عمار»

هنا لا بد أن نتوقف قليلًا، فقد أمسكت عفاف أباظة بجلال أمين من حيث لا يحتسب، فهى تقول له بوضوح إن أباه المفكر الكبير أحمد أمين هو أيضًا بشر بثروت واحتفى به ودعمه، وهذا هو السبب فى أن ثروت لم يرد عليه فى المرة الأولى التى هاجمه جلال فيها على صفحات جريدة الأهالى، فقد تجاهل ما كتبه عنه رغم قسوته إكرامًا لأبيه وليس له. 

وتواجه عفاف جلال من جديد: إن الكاتب يتساءل فى كتاب له اسمه «ماذا حدث للمصريين؟» وإنى أتساءل معه: ماذا حدث للمصريين فعلًا؟ فقد أصبحوا يهاجمون بشراسة من لا يستطيعون الرد عليهم، وأين كانت هذه الشراسة أثناء حياتهم؟ 

وتضيف: لقد نزع كاتب المقال عن ثروت أباظة كل صفة يمكن أن يتحلى بها كاتب، فهو فى نظره غير موهوب، ولم يدافع قط عن الحرية ولا الديمقراطية، ولم تكن رواية «شىء من الخوف» صرخة فى وجه الطغيان، وإنى أضيف معلومة للكاتب أن رواية «هارب من الأيام» عام ١٩٥٨ كانت أيضًا سياسية، وهاجمت الظلم والاستبداد، لقد استكثر عليه أن يكون شجاعًا صادقًا مدافعًا عن الحرية، رغم أن هذا هو خلقه، وأنا أعلم الناس بذلك. 

وبتصحيح غير مباشر لمعلومات جلال تقول عفاف: كتب ثروت أباظة «قصر على النيل» سنة ٥٨، و«ثم تشرق الشمس» سنة ٥٩، و«لقاء هناك» سنة ٦١، و«الضباب» سنة ٦٤، ولكن تحامل الكاتب جعله يقول إن ثروت أباظة لم يجد ما يكتبه من سنة ١٩٥٨ إلى ١٩٦٧ وقد تحولت كل هذه الأعمال إلى أعمال سينمائية وتليفزيونية، وقد كتب عليه وعلى أدبه عشرة كتب وثلاث رسائل دكتوراه وترجم كثير من أعماله إلى لغات أجنبية. 

وتشتبك عفاف مع جلال على خلفية ما ذكره عن طه حسين: يقول الكاتب أيضًا إن المقالات التى كتبها عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين عن «شىء من الخوف» و«هارب من الأيام»، والتى قال فيها إن هذه الرواية هى أصدق ما كتب عن الريف المصرى كانت مجاملة. 

لا تتحدث عفاف عن حقيقة ما جرى فى مقالات طه حسين عن زوجها، لكنها مرة أخرى تواجه جلال بالآتى: 

أولًا: لو لم يكن ثروت أباظة مهمًا ومتميزًا لما كتب عليه جلال نفسه مقالتين كاملتين فى عددين متتالين من جريدته، ولما أثار فى نفسه كل هذا الحقد. 

ثانيًا: لو لم يكن متميزًا لما أصر على الاستمرار فى مهاجمة الإخوان المسلمين بعد الخطابات التى كانت تلاحقه وتهدده بقتله وبقتل أولاده، وقد حاول أصدقاؤه أن يثنوه عن ذلك، ولكنه كان يقول لهم إن ساعتى قد حددها ربى، ولا يستطيع أن يقدمها أو يؤخرها إنسان. 

ثالثًا: لو لم يكن متميزًا لما نال جائزة الدولة التشجيعية ثم التقديرية، ولما قررت وزارة التعليم تدريس أول عمل أدبى له وهو «ابن عمار» على تلاميذ الشهادة الإعدادية فى الستينيات، أم أن الدولة تجامل أيضًا. 

رابعًا: ولو لم يكن متميزًا لما وصلت شهرته إلى أمريكا وكتبت جريدة لوس أنجلوس عنه وعن أدبه وأعماله ورئاسته اتحاد الكتاب، وتكلمت عن مرضه ووفاته وأرسلت له صورة من هذه الجريدة. 

خامسًا: ولو لم يكن متميزًا لما بقى رئيسًا لاتحاد الكتاب على مدى عشرين عامًا، ولما بقى وكيلًا لمجلس الشورى ما يزيد على ستة عشر عامًا. 

سادسًا: ولو لم يكن مهمًا ومتميزًا لما تدافع أحباؤه وقراؤه لتوديعه، سواء فى جنازته أو السرادق الذى تكاثر الناس فيه كالموج الهادر. 

ختمت عفاف أباظة مقالها بقوله: لكن الحقد والحسد والغيرة لا تحرق إلا صاحبها. 

على خريطة تقييم ثروت أباظة وأدبه وظاهرته التى لا ينكرها أحد، كلام كثير، بل إننى أعتقد أنه يستحق دراسة كاملة، دراسة بعيدة عن الغرض السياسى، فقد تعرض لكثير من الهجوم بسبب آرائه ومواقفه السياسية.

لا أنكر أننى لا أرى فيما قدمه أدبًا أو فكرًا شيئًا مميزًا، كان فيما قدمه مثل غيره كثيرين متوسطى الموهبة ومتوسطى الإبداع أيضًا، لكن الظرف العام يساندهم ويمنحهم ما هو أكثر مما ينجزون، وهؤلاء يصلون إلى ذلك بسمات لا تتوافر لكثيرين، وأعتقد أن المناخ الثقافى فى مصر يسمح بذلك.. فكثيرون ممن يحتلون الصفوف الأولى فى المشهد، أمس واليوم وغدًا، لا يستحقون شيئًا مما وصلوا إليه. 

وهو ما يدعونى إلى دراسة الواقع وليس الأشخاص فقط. 

وأعتقد أننى سأعود إلى هذا الموضوع كثيرًا.