الخميس 03 أبريل 2025
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

«لام شمسية».. زى السر وزى الذنب

لام شمسية
لام شمسية

فى أواخر عام ٢٠٠٤ علمت بواقعة تحرش جنسى وقعت على طفل فى السابعة من عمره وكان المتحرش شابًا عشرينيًا ويعد أحد أقاربه.. حيث تربطه صلة قرابة بأمه.. أثناء بحثى لعمل تحقيق عن الواقعة علمت أن مركزًا حقوقيًا شهيرًا فى هذا الوقت يجرى بحثًا عن التحرش الجنسى بالأطفال.. ذهبت الى المركز لمعرفة ما وصل إليه.. 

وهل هذه الجريمة شائعة أم لا؟!

حيث أقسام الشرطة والنيابة العامة لم يكن عندهم إلا بلاغات قليلة جدًا بمثل هذه الجرائم، حصلت على الدراسة التى أجراها المركز لأكتشف أن الحالات كثيرة ولكن البلاغات قليلة، فإن الأب والأم اللذين يتعرض أحد أبنائهم لهذا الإيذاء لا يبلغون عن الأمر رسميًا لاعتبارات اجتماعية وأخلاقية.

استطعت بعد مجهود أن أصل إلى ثلاث أسر.. وكان الأمر فى منتهى البشاعة، حيث كان الأطفال ولدين وبنتًا وأعمارهم ما بين الخامسة والثامنة، والمتحرشون فى الثلاث حالات أقارب.

ولأن الدراما محاكاة للواقع.. ولكن الواقع أحيانًا يكون مخجلًا وقاسيًا بحيث يصعب معالجته على الشاشة فى بلدان وشعوب متحفظة ومغلقة، فإن مسلسل لام شمسية الذى يعرض فى هذا الموسم الرمضانى من إنتاج شركة المتحدة، هو الأجرأ والأشجع فى فتح هذا الملف الصعب.

الأطفال هم مفتاح حل هذه القضايا، وما يحدث أن الطفل الذى يتعرض لهذا الاعتداء غالبًا لا يفصح عما يحدث معه، لأنه عادة لا يفهم ماذا يحدث ولا يدرك أن هناك اعتداء يقع عليه، وحين يشعر بغرابة ما يحدث يبادر المعتدى بقوله له إنها لعبة، وسر بيننا لا يجب أن يعلمه أحد، وأجواء السرية التى تفرض على اللعبة وارتباك المعتدى من أن يراه أحد، يتكون فى اللاشعور عند الطفل أن ما يحدث شىء خاطئ، ربما لو علم أبوه أو أمه عنه لعنفه وضربه، وهذا هو السبب فى كتمان الطفل وعدم البوح بما يحدث معه، كان هذا ما قاله لى أهالى الأطفال المعتدى عليهم الذين قابلتهم عن طريق المركز الحقوقى، وبطرق مختلفة اكتشفوا سر ما يحدث مع أبنائهم.. وأشار طبيب نفسى تحدثت معه عن الاعتداء الجنسى على الأطفال، بأن جهل الأب والأم بسلوك أطفالهما يضع صعوبة أمام اكتشاف الاعتداء الجنسى، لأن السلوك حتمًا يختلف، أحيانا يميل الطفل فجأة إلى الانطوائية وأحيانا إلى العنف، وبعضهم إلى الخوف من الاستحمام وتغيير ملابسه، القشعريرة وعدم الراحة التى قد تحدث فجأة عندما تلمس أمه أو أبوه أو إخوته جسده وكأنه خائف من شىء ما، وهذا لم يكن يحدث من قبل، الوعى بهذه التفاصيل يدل على تغيير فى نمط سلوك الطفل ومن ثم إدراك أنه توجد مشكلة.. 

عندما كتبت التحقيق تناولت الحالات الثلاث التى قابلتها، وكانت حالة واحدة فقط منهم تقدمت ببلاغ رسمى، والمفاجأة أن المعتدى كان خال الطفل والأب هو من تقدم بالبلاغ عندما اكتشف ما يحدث مع طفله، وكان خال الطفل فى العشرينات من عمره، وقال لى إنه تردد كثيرًا قبل الإبلاغ ولكن إحساس الثأر لابنه جعله يبلغ وقال لى بالحرف «يا أقتله يا أحبسه» وأنا اخترت أحبسه حتى لا أضيع مستقبلى وأسرتى.

الحالات الأخرى قالوا إنهم لم يبلغوا رسميًا حفاظًا على سمعة أطفالهم وخاصة عندما يكبرون، لأن الموضوع مشين ومقزز ومحرج، ولأن هناك محامين قالوا لهم إنه لا توجد مادة فى القانون بشأن هذه الجريمة، لم يضعها المشرع ربما لأنه لم يتصور حدوثها، ففضلوا الكتمان ومعالجة الأمر بسرية.

زى السر وزى الذنب، النشيد الذى قاله الطفل يوسف فى مسلسل لام شمسية، هو الموضوع بعينه، النشيد يوضح الفرق بين اللام الشمسية غير المنطوقة، واللام القمرية المنطوقة، النشيد يقوله الطفل الذى يعد بطلًا من أبطال العمل، رغم صغر سنه يمثل بعمق وشجاعة.. يعد كاشفًا عن مضمون المسلسل، لأن التحرش الجنسى هو بالفعل مستتر غير مكشوف، يحدث فى الخفاء، وهو سر وذنب لا يبوح به الطفل المجنى عليه وكذلك بالطبع الجانى، والجانى عادة يكون شخصًا غير سوى نفسيًا.. منحرف يعانى من اضطراب شديد، وقد يكون هو أيضًا تعرض للتحرش وهو صغير، وما يقدمه المسلسل فى شخصيته مهم للغاية لأنه ليس بالضرورة يكون شخصًا عاطلًا مثلًا أو مدمنًا بل الأخطر أنه قد يكون شخصية مرموقة.

المسلسل جرىء وكل الفنانين يمثلون باحترافية شديدة وأداء متماسك رغم صعوبة الموضوع.. ليس به ابتذال أو مبالغة على العكس أحداثه سلسة وسريعة، هو ما ينطبق عليه ما قل ودل.. شكرًا لأصحاب الفكرة ولكل صناع المسلسل والفن الممتع.