الخميس 03 أبريل 2025
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

قلبى ومفتاحه.. الرومانسية النقية تفضح التدين الزائف

قلبى ومفتاحه
قلبى ومفتاحه

يبدو مُسلسل «قلبى ومفتاحه» من إخراج تامر محسن، وتأليفه مع مها الوزير، عملًا مُميزًا وحاضرًا ومختلفًا رغم شيوع القصة، لأنه يُعبر بقوة عن واقع شبيه نراه كُل يوم فى مُجتمعنا المفعم بتناقضاته، والمُحتدم بصراعاته الأزلية التى لا منتصر فيها ولا مهزوم. 

يقترب الفن من الإنسان، يُصبح جزءًا من حياته كلما اخترق رأسه، وقدم ما يفتعل فيها من أفكار وأحلام ومخاوف. يعجبنا مشهد سينمائى أو درامى ما لأننا رأينا شبيهه، نرتبط بعبارة موجزة وبليغة لشخص بعينه لأننا سمعنا مثلها. ننجذب للوحة فنية جميلة لأنها تُظهر شخوصًا بسحن وملامح نعرفها. تسكننا أغنية محددة إن قاربت كلماتها ولحنها ما يتفاعل فى نفوسنا من مشاعر وأحاسيس. 

وربما يكون هذا هو سر ارتباط جمهور رمضان هذا العام بهذا المسلسل الذى تدور أحداثه فى حى شعبى متوسط من أحياء القاهرة، وهو شارع اللبينى بمنطقة الهرم، مُقدمًا صراعًا ُمعتادًا بين طرفين أحدهما يمثل صلف النفوذ والسلطة المالية اللا أخلاقية، بينما يمثل الطرف الآخر النقاء الإنسانى والشرف والرومانسية والذوق والنبل.

الحكاية معتادة ومُكررة فسبق أن رأينا المُحلل الذى تتم الاستعانة به فيتشبث بدوره كزوج حقيقى، ويأبى الطلاق، لكن التنوع والتطور هنا فى تداخل الصراعات ورسم مسارات بديلة تُعبر عن رومانسية صوفية ممتزجة باستقامة ونزاهة وتحضر. وكل هذا يرسم سياجًا من السحر والجمال والشغف بما يوصل بين المُشاهد والعمل بل وشخوصه الذين يظهرون، كأنهم شخوص حقيقيون من لحم ودم.

بطل العمل محمد عزت، والذى قدم دوره ببراعة متوقعة آسر ياسين، هو شاب مُتعلم مُنفتح ومُستقيم، يُعافر فى واقع صعب، ويقبل ما يخالف طموحه العلمى كمتخرج من كلية العلوم قسم الفيزياء، إذ يعمل كابتن فى تطبيقات التوصيل، لتُلقيه الصُدفة البحتة فى طريق ميار «مى عز الدين»، وهى امرأة تبحث عن محلل باعتباره طوق نجاة يحفظ لها أسرتها الصغيرة، بعد قيام زوجها بتطليقها ثلاث مرات، ويطلب منها الزواج لبضع ساعات من شخص ما لتعود إليه مرة أخرى.

وهنا فإن اختيار آسر ياسين ومى عز الدين للقيام ببطولة هذه القصة جاء مناسبًا جدًا، خاصة مع ملامح وجه مى المفعمة بالبراءة والطيبة، إلى جانب إتقان آسر سابقًا تقديم شخصية الشاب المهذب النبيل الصلب.

تفاجأ ميار عند عرضها الزواج- بلا سبب- على محمد عزت بموافقته السريعة، ثُم تُفاجئ بشخصيته النبيلة الكريمة والمحترمة للمرأة، فتقارن بينه وبين أسعد زوجها الأول لتعرف لحظات رومانسية لم تعرفها من قبل.

رغم ذلك يُلبى لها عزت طلبها بالطلاق دون مماطلة لتبدأ صراعات شرسة بين الرومانسية البريئة المُتزنة التى يمثلها عزت، وأنانية التملك التى يُمثلها أسعد الزوج الغاضب دائمًا والمتسلط بثرائه، والمُخادع بتدينه الشكلى المظهرى الخالى من أى قيم. 

يُمثل الفنان الموهوب دياب نموذجًا فنيًا مُعلمًا عندما يقدم لنا دور أسعد عبد رب النبى، الذى تُعبر انفعالاته وتعبيراته ونبرات صوته عن ديكتاتور قاهر يُمارس شروره مُلتحفًا بأقنعة واهية وظنون زائفة بقربه من الله. بدت الشخصية بمثابة فرصة مناسبة ليكشف لنا دياب عن قدرات فنية فذة، وذكاء واحترافية فى استيعاب هذه الشخصية شديدة التعقيد، وتصويرها بكل هذه الواقعية.

فى شارع اللبينى، نرى شخصيا ت أخرى محورية، مثل شنوانى، المحامى الفاشل قليل الحيلة الذى يضطر للزواج من الحاجة مُهجة والدة أسعد «عايدة رياض» دون أى عاطفة تجمعه بها خوفًا من ابنها ذى السطوة والبأس، وطمعًا فى عيش أكثر رغدًا. ورغم أنه أقرب الشخوص للبطل عزت، باعتباره خاله، إلا أنه ينحاز فى بدايات الصراع إلى أسعد خوفًا منه، قبل أن يساند ابن شقيقته بشكل خفى. 

وهناك إسماعيل، مساعد أسعد «أحمد خالد صالح» الذى يتقن دور الشرير الصاعد، المستغل لكل وسيلة لإرضاء ذاته والفوز بقلب عالية شقيقة أسعد، الجميلة المتعلمة.

ولدينا أيضًا رجال أسعد الآخرون الخادمون للقمة العيش على حساب كل شىء، وهم شخصيات نمطية موغلة فى الشر والتبعية وصناعة الأذى باستثناء شعبان، الذى يعمل فى معارض أسعد منذ عهد والده ويعد الوحيد المسموح له بنصح أسعد وتوجيهه.

يمضى الصراع منطقيًا كلما اقترب قلبا عزت ومنار من بعضهما البعض، واتسعت شكوك أسعد حيالهما. يحاول الزوج القديم إجبار الزوج الجديد على التسليم والمغادرة لكن الحب الذى ولد فى نقاء ونبل يقف حاجزًا صعب التجاوز، لذا يُلفق أسعد مكائد متنوعة للإيقاع بغريمه عدة مرات، لكنه ينجو ويزداد تمسكًا بالحب الذى وجده بعد إخفاقات عديدة جربها فى حياته.

لا تتسق نهاية العمل مع بداياته، إذ تبدو متعجلة وساذجة عندما يختار أسعد حيلة سبق أثبتت فشلها للإيقاع بغريمه، وهى وضع جثة قتيل فى شنطة سيارته، إذ سرعان ما ينكشف تلفيقها، وينطفئ توهج العمل فجأة بمشهد القبض على أسعد دون رسم نهاية منطقية للأحداث. 

ورغم ذلك، فإن ارتباط المشاهدين بقصة الحب المثيرة بين عزت وميار يُدلل على مساحة مستبعدة وغائبة عن كثير من أعمالنا الفنية والدراما بشكل خاص، فلم تعد حكايات الحب حاضرة فى السنوات الأخيرة بقدر حضور القصص البوليسية والجريمة وأعمال الفتونة والبطش. 

ولاشك أننا فى حاجة إلى أعمال درامية رومانسية تُحيى عوالم الحب الجميل وتُرقق قلوب أثقلتها ماديات التطور التكنولوجى وتنامى المادية. 

يمكن أيضًا القول إن نموذج المتدين الشكلى المنتشر والشائع فى مجتمعنا اليوم أسهم فى ارتباط المشاهدين بالعمل، ففى كل مكان حولنا نشاهد ونسمع أولئك الزاعقين بتقوى الله، والحريصين على علانية الصلاة والزكاة وذكر الله، بينما يمارسون قهرًا للبشر، ولا يحترمون إرادة الغير، ويزدرون النساء، ولا يتورعون عن إلحاق الأذى بأى شخص يقف فى طريق مكاسبهم المادية.

كذلك، فإن استحضار الشارع المصرى العادى، الشعبى، الذى يضم شخوصًا مختلفى الألباب والسلوكيات، والذين يخافون بطش الغاضبين ويؤثرون السلامة ويحسبون ألف حساب وحساب لأصحاب الثروات، أقام جسر تلاق رائعًا مع المشاهدين.