أفكار مثيرة للعقل
الباحث العراقى خزعل الماجدى: لا يمكن لأى كتاب مُقدس أن يكون مصدرًا للعلم

- يمكن الاستفادة من النصوص المقدسة فقط فى العظة والاعتبار والإيمان
- لا يوجد دين برىء من المصالح غير الذى «يمارسه صاحبه بينه وبين نفسه»
- التعرف على تاريخ الأمم السابقة مهمة علم الآثار وليس الكتب المقدسة
- الرأى العلمى يقول إن الطوفان حدث فى العراق وليس فى كل العالم
- الأديان «خزّان عنف جاهز» يعمل المتطرفون ورجال الدين على تفعيله
- جميع الأديان ثقافات أنتجها الإنسان فى فترات تاريخية متفاوتة
دائمًا ما كان صاحب رؤى جريئة تُعيد صياغة مفاهيمنا حول التاريخ والدين والأسطورة، ليقدم بمثابة مشروع فكرى متكامل، صحيح أنه مُثير للجدل باستمرار، لكنه قبل ذلك مشروع مُثير للتدبر والتفكير وإعمال العقل، وما أهمه من دور لأى باحث أو مفكر.
إنه الباحث العراقى خزعل الماجدى، المُتخصص فى علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، إلى جانب كونه شاعرًا وكاتبًا مسرحيًا، الذى قدم إلى العقل العربى ما يزيد على 50 مؤلفًا، تنوعت بين علم الأديان والحضارات والشعر والمسرح.
وتتعدد هذه المؤلفات لتشمل الكثير من الكتب المهمة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: «سفر سومر- حكايات سومرية- أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ- الدين السومرى- بخور الآلهة: دراسة فى الطب والسحر والأسطورة والدين- متون سومر: التاريخ.. الميثولوجيا.. اللاهوت.. المقدس- إنجيل سومر- إنجيل بابل- الآلهة الكنعانية- الدين المصرى»، وغيرها الكثير.
عن هذه المؤلفات، وأبرز الأفكار التى قدمها إلى العقل العربى عن الدين والأسطورة والتاريخ، يدور حوار «حرف» التالى مع المفكر والباحث العراقى الكبير خزعل الماجدى.

■ الدكتور خزعل الماجدى من أكثر الباحثين إنتاجًا فى تاريخ الأديان و«الميثولوجيا».. ما الذى جذبك لهذا المجال المتسع والمثير للجدل خاصة فى عالمنا العربى؟
- مرت سنوات طويلة منذ سبعينيات القرن الماضى، وأنا أتابع وأطالع بشغف كتب وموضوعات الأساطير والأديان والحضارات، وفى منتصف التسعينيات، أى بعد نحو ربع قرن، وجدت أن حصيلتى اكتنزت فى هذه الحقول، وانتابتنى رغبة للكتابة فيها.
ربما كان دافعى الأساسى هو الفوضى التى مررت بها وأنا أنظم وأبوّب وأصنّف كل ما قرأته، ولذلك أدركت أن القارئ العربى بحاجة لكى يعرف هذه الحقول بلا فوضى، ويستفيد من تنظيمى وتبويبى لها، خاصة أننى فى هذا المرحلة انتقلت من الكتابة الإبداعية فى الشعر والمسرح، إلى الكتابة الفكرية فى هذه الحقول، وترافق ذلك مع حصولى على الدكتوراه فى التاريخ القديم، الذى كان مهادًا وفضاءً لجمع كل هذه الاهتمامات.. وهكذا انطلقت فى هذه المهمة الكبيرة والمركبة، وبدأت بالأساطير و«الميثولوجيا»، ثم بتأريخ وعلم الأديان، وصولًا إلى تأريخ الحضارات.
■ تحدثت عن تأثر الأديان السماوية بالحضارات القديمة خاصة تأثر الديانة اليهودية بالحضارة البابلية.. كيف أسهمت فترة السبى البابلى فى انتقال الأفكار والمعتقدات البابلية إلى «اليهودية» رغم أن أتباعها لا يندمجون مع الآخرين بسهولة؟
- لم تكن هناك ديانة يهودية قبل الأسر البابلى، كانت هناك ديانة كنعانية لدولة مدينة اسمها «يهوذا»، وكان تصور إله هذه المدينة، وهو «يهوذا»، لا يخرج عن إطارها الكنعانى المتعدد الآلهة. كان الأسر البابلى بين ٥٩٧- ٥٣٨ ق. م، وكشفت الدراسات الأثرية عن أن أجزاءً كبيرة من مملكة «يهوذا» ظلت مأهولة بالسكان خلال فترة الأسر، واختار جزء كبير منهم البقاء فى بلاد الرافدين، بعد إطلاق سراحهم، وهذا أدى إلى إنشاء مجتمع يهودى كبير فى بلاد الرافدين عُرف باسم «الجولاه» أو «الشتات»، الذى استمر حتى العصر الحديث.
إذن كان هناك مجتمعان من أهل «يهوذا»، أحدهما نشط وفعّال فى بابل، والآخر بسيط وخامل فى «يهوذا» بفلسطين، فقام مجتمع ورجال دين «يهوذا» فى بابل بالاطلاع على التراث البابلى والرافدينى عمومًا، وتعلموا اللغة الأكدية والكتابة المسمارية، وامتهنوا مهنًا كثيرًا مثل الزراعة، فى مستوطنات زراعية أبرزها «تل أبيب» بالقرب من مدينة «نيبور»، إلى جانب الكتابة والصناعة.
أسسوا المدارس والبيوت التعليمية مثل «بيت المدراش» أو «بيت الكنيست»، التى أسهمت بشكل كبير فى تشكيل الديانة اليهودية، وصياغة التوراة والتلمود وسائر التشريعات اليهودية، مع تأسيس الكنيس اليهودى للعبادة.
بدأ المهمة «عزرا الكاتب»، ثم نقل كل هؤلاء خبرتهم وكتبهم إلى أهل «يهوذا» فى فلسطين، بعودتهم من الأسر البابلى فى زمن «كورش». كتب هؤلاء بعدهم مجموعة الأسفار على يد رجال «المجمع الأكبر»، الذى تأسس عقب العودة من السبى البابلى، وظهر فيها الكثير من التراث البابلى الذى حفظوه فى بابل مثل قصتى الخليقة والطوفان وغيرهما.
كذلك كتبوا «التلمود» فى بابل، وهو مكون من ٢٠ جزءًا، وتضمن الكثير من القوانين والشرائع البابلية، والأحكام المتعلقة بالصدقات الزراعية والحيوانية فى وادى الرافدين. و«التلمود البابلى» مُؤَلف كُتب على مراحل طويلة، واستغرقت كتابته قرونًا بشكل جماعى، ويلخص الأفكار التشريعية والأسطورية التصويرية المركزية الخاصة بـ«الأمورائيم»، وهم حكماء إسرائيل، سواء أولئك الذين أقاموا فى بابل أو المقيمون فى أرض فلسطين.
وفى وادى الرافدين أسسوا لهم ٣ مدارس مشهورة ومهمة فى بابل هى: «سورا» و«بومبديثة» و«دعه».
■ وفقًا لكتابك «الميثولوجيا المندائية».. هل ترى أن الأسطورة حقيقة أعمق من الحقيقة التاريخية، أو «أداة فلسفية» تطرح أسئلة أكثر من كونها تروى حقائق؟
- لا يمكن أن تكون الأسطورة حقيقة أعمق أو أصدق من الحقيقة التاريخية، لأن الأسطورة لايمكن اعتبارهًا تأريخًا حقيقيًا بالأساس، بل هى نصوص مقدسة تتحدث عن حوادث إلهية، وفى زمن إلهى سبق التأريخ، وتعكس شوق الإنسان فى تفسير خاص بها للماضى السحيق أو للمستقبل البعيد.
هذا لا يعنى تأريخًا بل تصورات وهمية للماضى والمستقبل. هى تتجنب الحاضر من جهة، لكنها تنتشر فيه من جهة أخرى، وتحكيه على طريقتها مُثقلًا بالخوارق والمعجزات. إنها ببساطة قصص المعجزات التى لم تحصل.
أيضًا هى ليست أداة فلسفية، ولا تطرح الحقائق عن طريق الفلسفة. ربما هى بذرة تضمنت شفرات فلسفية وعلمية، لكنها لا يمكن أن تكون فلسفة أو علومًا. هى تبدو وكأنها الفلسفة والعلم والحكمة الأولى وفى شكلها البدائى.

■ هل يمكن أن تكون الأسطورة جزءًا من الذاكرة الجمعية لشعب ما؟
- أرى أن الأسطورة تمثل ثقافة أصيلة لا يمكن أن تفنى أو تزول من حياة البشر عبر كل مراحل التاريخ، والمهم أن ندرك طبيعتها بعلمية ودقة، لأنها قابلة للتحول والتبدل، واتخاذ أشكال وحلوليات لا نهاية لها. بدأت منذ عصور ما قبل التاريخ شفاهيًا خارج وداخل الدين، ثم أصبحت أحد عناصر الدين الرئيسية فى التاريخ القديم. وفى التاريخ الوسيط أصبحت فى المرويات الدينية والتاريخية، ثم حلت فى التاريخ الحديث بسير وأخبار الشخصيات الاستثنائية و«الكارزمات»، وفى التاريخ المعاصر دخلت فى «الإنترنت» والتواصل الاجتماعى وأضواء المدن ونظريات المؤامرة، إلخ. هكذا ترين أن الأساطير مثل الهواء تنفذ إلى كل شىء دون استئذان.
■ لماذا يمكنها النفاذ إلى كل شىء؟
- لأنها تسكن فى كل ما هو غامض فى الكون والإنسان، ومكانها العميق فى الإنسان هو فى لبّ الدماغ، ما نسميه «اللا شعور الجمعى للإنسان»، لذا فهى تقفزُ فى طريقة تفكيرنا مهما حذرنا منها. لقد تسللت إلى العلوم وأنشأت ما يعرف اليوم بـ«العلوم المزيفة»، وهى هناك ترقد فى التأويلات الخاصة والغامضة للعلوم والمعارف.
■ كيف تُفسر تطور مفهوم «الإله» من الأديان القديمة إلى الأديان التوحيدية؟
- حين طالت فترة سيادة تعدد الآلهة من نحو ٥٠٠٠ إلى ما يقرب القرن الـ٦ قبل الميلاد، شعر الإنسان بعدم جدوى الآلهة، لذا اختصر كل هذه الآلهة فى إله واحد، كان هو الإله القومى للشعوب التى أعلنت التوحيد، مع تحول الآلهة الأخرى إلى ملائكة وشياطين. هذا الإجراء بدأ بوضوح فى «الزرادشتية»، فى حدود القرن السادس قبل الميلاد. ولا شك أنه نوع من التجريد، لأن صفات الإله الواحد أصبحت تبتعد عن ما هو مادى وحسىّ وتصبح تجريدية أكثر.

■ وفقًا لأبحاثك أيضًا.. تأثرت كل الأديان بالأسطورة والحضارات التى عاشت فيها.. إذن فيما يخص ما نعتنقه اليوم من أديان، ما هو «السماوى» وما هو «الوضعى»؟
- الإجابة فى جواب السؤال السابق، فقد جعلوا كل الأديان قبل التوحيد «وضعية»، وربطوا أديان التوحيد بالسماء فقالوا إنها «سماوية»، وحين ظهرت أديان بعد التوحيد، تحديدًا بعد الإسلام، قالوا عنها أيضًا «وضعية». بتحديد أكثر، أصبحنا نعرف أن ٣ أديان توحيدية إبراهيمية هى «سماوية»، وغيرها «وضعية» أو «بشرية»، سواء ما سبق الأديان التوحيدية أو تلاها. والحقيقة أن جميع الأديان هى ثقافات أنتجها الإنسان فى فترات تاريخية متفاوتة حتى يومنا هذا.
■ إذا كان الدين يُستخدم كذريعة للعنف، فهل ترى أن المشكلة فى النصوص نفسها أم فى الطريقة التى يُدار بها الدين فى المجال العام؟
- الأديان لا تخلو من العنف، بل هى العنف بدرجات مختلفة، ورجال الدين طبقة عنف عملية وتحريضية عالية، تشكل الطريقة التى يُدار بها الدين فى المجال العام، بمعنى أن الأديان «خزّان عنف جاهز»، يعمل الدعاة والمتطرفون ورجال الدين على تفعيله، فى كل مراحل التاريخ.
■ كيف تغير استخدام الدين كأداة لتبرير العنف مع مرور الزمن؟
- كان الدين وما زال أداة بيد الحكّام والدول، وكانت المؤسستان الدينية والسياسية على توافق فى العمل الممنهج لـ«إخضاع الشعوب»، ولذلك نشأت الأديان فى قلب السياسة واُستخدمت كأداوت سياسية، رغم وجود مادتها الروحية التى تمشى فى عروقها. منذ الشامان البدائى، مرورًا بكهنة المعابد ومؤسسى الطوائف والمؤسسات الكبرى للكنيسة والمراجع، كان الدين يتناغم سلبًا أو إيجابًا مع المؤسسة السياسية.
فى العصر الحديث تأسست الممارسات السياسية على توجهات الأديان، ونتج عنها «الدين السياسى»، الذى أصبح وسيلة للسيطرة على السلطة. لم يعد هناك دين برىء من السياسة والمصالح. الدين الوحيد البرىء هو الذى يمارسه الأفراد بينهم وبين أنفسهم دون التبجح به بل لكى يعيشوا فى توازن روحى ونفسى صادق بلا ادعاءات ولا مصالح.
■ هل يمكن للدين أن يكون جزءًا من الحل لإنهاء القتل باسمه؟
- نعم، يمكن أن يكون جزءًا من الحل بشرط واحد بسيط، هو ترك الدين بسيطًا، وتقوية مجرى التديّن البسيط البرىء للإنسان العادى، وهذه أفضل خدمة للدين. وأفضل دورٍ للدين فى المجتمع يتحقق بإبعاده كليًّا عن السياسة.
■ يتجاوز علم الأديان الطابع العقائدى والفقهى إلى دراسة الدين كظواهر إنسانية وثقافية وفكرية.. لماذا يُنبَذ أو حتى يُكفَّر فى عالمنا العربى مَن يدرس هذا العلم خاصة من الأصولية الإسلامية؟
- العلوم الإنسانية كلّها فى عالمنا العربى منبوذة ومسطّحة من قبل سلطات التعليم والسياسة، لأنها فى ظنهم تتحكّم بالإنسان وتوجههُ بطريقة لا تخدم أغراضهم، وهم يريدون من الإنسان أن يكون سطحيًا غبيًا مُقادًا وقابلًا للتوجيه والإذلال.
العلوم الإنسانية تُدرّس فى العالم العربى بطريقة سطحية خالية من المعنى والتطبيق، وعلم الأديان أخطر هذه العلوم لأنه يمسّ العصب الحسّاس، لذلك هو مرفوض فى كل بلادنا العربية، ووجود كليات فى شمال إفريقيا ولبنان تخص مقارنة وتأريخ الأديان، هو خطوة للهروب إلى أمام، لأنها تقدم بطريقة تشبه طريقة كتب المِلل والنحل الإسلامية، فضلًا عن الغضب والحقد الذى يصدر من كليات الشريعة نحو جميع هذه العلوم.
العلوم الإنسانية هى أرقى العلوم التى أنتجتها الحضارة الحديثة فى الغرب، وأسهمت فيها الآن جامعات ومؤسسات روسية وصينية وهندية، لكن نحن نرتجف خوفًا منها. هم يعتقدون واهمين أن علم الأديان يمسّ بالمُقدس، ويتغاضون عن كونه يدرس ويحلل مكونات الأديان بطريقة علمية، وهذا يجعل الأديان كلها تحت فحص منهج علمى واحد، وليس على طريقة أهل كلّ ديانة تعظّم نفسها.
لهذا لا يريدونه ولا يرغبون به ويحذرون منه. وكم حذرت من ذلك، ولكنهم يتحاشون أى تعقيبٍ أو ملاحظة. أما الذين سيقرأون هذا العلم ويدرسونه فهم عامة الناس المتطلعين لمعرفة الحقيقة، والمحيين للمنهج العلمى فى كلّ مجال.

■ فى رأيك.. لماذا لا نزال فى عالمنا العربى نتمسك بصراعات الماضى حتى لو انتهت بالفعل؟
- العالم العربى أكثر عوالم الشعوب المنغلقة على نفسها، والتى تفتش فى صراعات الماضى وتتخذ منها منطلقات لتقييم الحاضر والمستقبل. لذا لا يمكن معالجة ما هى عليه، لأن هذا الانغلاق وسيلة الضعفاء حضاريًا. هم لا يحبون مواجهة الحقيقة، ولا يحبون التأسيس الجديد الواعى للحضارة، وفى المقابل، يغلقون الباب وينعمون بالدفء والراحة، بينما «بلدوزرات» العصر الحديث تقف على أبوابهم.
■ هل القصص القرآنى عن الأقوام البائدة يُعبّر عن وقائع تاريخية دقيقة؟
- لا يمكن أن يكون أى نص مُقدَّس، ومنها القرآن، مصدرًا علميًا للتاريخ أو للجغرافيا أو للعلوم. هذه كتب تترفع عن كونها متخصصة، لأنها نصوص لها ركنها الخاص من القداسة فى حياة الشعوب، وحين نستخدمها فى مثل هذه الأمور لا نستفيد منها شيئًا فى العلوم، بل فى العظة والاعتبار والإيمان.
■ لماذا ذُكرت فى النصوص المقدسة أقوام مثل «عاد» و«ثمود» الذين لم يتركوا آثارًا واضحة مُقارَنة بحضارات مثل مصر أو بابل؟
- هذه الأقوام بسيطة ولاحضارة لها مطلقًا، ولا يمكن مقارنتها بحضارات سومر ومصر وبابل. إنها قبائل صحراوية هائمة ترك بعضها نقوشًا مكتوبة بسيطة تدل على ترحالها وأسماء بعض أفرادها، ولم تترك لنا أى نص فى الحضارة، وما جاء فى النصوص المقدسة عنها يتوافق مع البيئة المشتركة لها مع بيئة هذه النصوص. كما أن هذه النصوص جاءت بعد الحضارات الكبرى بآلاف السنين، لذا لا تعرف عنها شيئًا.

■ بحسب الروايات القرآنية كانت إبادة هذه الأقوام مرتبطة بعصيانها وإصرارها على الكفر.. هل تجد أدلة علمية لذلك؟
- لا طبعًا، هذا غير وارد، ليس هناك ما يؤيد كونها كانت عاصية. لكل شعب من هذه الشعوب أسبابه الجغرافية والبيئية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى ساهمت فى زواله ونهايته، الصحراء والجوع والجفاف والحروب والفيضانات والزلازل... إلخ.
■ هل يمكن إعادة قراءة القصص القرآنى بشكل حديث لفهم كيفية انهيار تلك الأقوام؟
- لا أُحبِذ هذا، لأننا قد نحرج النصوص المقدسة، لنتركها بعيدًا عن هذا النوع من التقصى. لكننا يجب أن نضعها تحت الفحص العلمى من ناحية تأريخها وتأثراتها بنصوص سبقتها وغيرها من الأمور، دون مقارنة ما نفعله بماهيتها فى النصوص المقدسة. أما تلك الشعوب فيجب أن نتقصى فى آثارها وآثار بيئتها لنتعرف على أسباب زوالها وكوارثها، وهذا ينجزه علم الآثار وليس الكتب المقدسة.
■ هل ترى تشابهًا بين قصص الأقوام البائدة فى القرآن وقصص شعوب قديمة مذكورة فى أساطير الحضارات الأخرى، مثل «الطوفان»؟
- حتى الطوفان يجب أن نتقصى عن حقيقته، خصوصًا أن الرأى العلمى السائد حوله يقول إنه حصل فى مكان محدد لنهر دجلة، فى مدينة «شروباك»، ولم يشمل العالم كله، لكن أسطورة الطوفان انتشرت بين الشعوب فأخذت بها وجعلتها لها فبدا كما لو أن الطوفان كان عالميًا. دليلى على ذلك أنه ليس هناك ذكر للطوفان فى مصر فى المدونات الهيروغليفية المصرية. خلاصة ما أقول: يجب إعادة كتابة تأريخ البشرية وشعوبها وفقًا لعلم الآثار، فقط لا غير.

■ هل هناك تقاطعات فكرية وروحية بين «الغنوصية» والتصوف؟
- التصوّف أقدم من «الغنوصية»، ونشأ بطريقة عملية عن الزهد والتقشف، خاصة فى التيارات الهندوسية. والصوفية موجودة فى جميع الأديان، لأن جوهرها يرى أن روح الإنسان جزء من الروح الكلّية للكون، لكن الإنسان لا يعرف هذا ولا يشعر به، وهذا ما يُبقى الروح أسيرةً فى دورة الحياة والموت، أو أنها تنتقل من جسدٍ لآخر إلى ما لا نهاية عن طريق التناسخ.
الطريقة المُثلى لتجاوز دورة هذه الحتمية يكون من خلال فعالية «الغنوصية»، أو «العرفان» الذى يؤدى إلى معرفتها واكتشاف أصلها وموطنها الحقيقى، وحينها تغدو مُهيأة للانعتاق. وفعالية «العرفانية» ليست عقلية فكرية أو علمية، بل فعالية روحانية وتجربة باطنية تقود إلى معرفة الله، أو الروح الكونية فى أعماق النفس.
«الغنوصية» هى معرفة الله دون معلم ولا كتب ولا رسل، بمعرفة قلبية وليست عقلية، تنكشف فى النفس مثل توهّجٍ أو ضوءٍ ساطع كاشف، بلا واسطة، وناشئة عن الكشف الوامض فى الروح، أى أن الروح تفصح عن حقيقتها الإلهية النورانية. هذه المعرفة ناشئة عن الذوق والقلب، وليس عن العقل والعلم التقليدى المعروف.
كبار المتصوفة المسلمين مثل الحلاج، هم ورثة التراث الغنوصى والمعبّر عنه بالتصوف، فبعد أن قُهرت «الغنوصية الإسلامية»، فى مركز نشوئها بالعراق، هربت إلى شرق العالم الإسلامى البعيد عن مركز السلطة العباسية التى قادت هذا القهر، وهناك تفاعلت أكثر مع «المانوية» و«البوذية»، وأنتجت ألوانًا جديدة من «الغنوص». أما فى العراق فقد توارثت أجيال المتصوفة الأوائل الكبار هناك التراث الغنوصى، والذى صار أشبه بالمصل المنشّط للصوفية فظهر من أعلامها الكبار.
■ كيف يمكن تفسير العلاقة بين السعى إلى المعرفة الباطنية فى «الغنوصية»، والتجربة الروحية فى التصوف؟
- أصبحت «الغنوصية» والتصوف وجهان لعملة واحدة فى بداية نشوء التصوف الإسلامى، وكانت «الغنوصية» موجودة فى باطن التصوف على مدى التاريخ، لكن انحدار التصوف من قمته العالية إلى سفوح ممارساته ثم قاعها متمثلًا فى «الدروشة» و«المجذوبية» أبعده عن «الغنوصية»، التى ظلت فى مخازنها السرية العميقة، التى لم يصل لها أحد من المفكرين الإسلاميين أو المتصوفة. ابتعد التصوف عن «الغنوصية» فذبُل وتحولَ إلى مجرد ممارسات شكلية.
أما أهم الحركات «الغنوصية» الأقرب الى التصوف الإسلامى فظهر فى النشأة الأولى للتصوف الإسلامى، ومنها «الاتحادية»، التى كان فيها ابن مسرة وإخوان الصفا والفارابى وابن قَسِى، وهم يرون ان الاتحاد هو تأليف المعانى بتأثير العقل الفعال، الذى هو الفيض الإلهى المنحدر على النفس المنفعلة.
هناك أيضًا «الوصولية»، التى كان فيها ابن سينا وابن طفيل وابن سبعين، وترى أن النفس تصل إلى الوحدانية حين تتصل بخالقها. وهناك «أصحاب وحدة الوجود» الذين يرون أن الله يحل فى كل الوجود ويجسد وحدته، وهى «غنوصية» قادمة من «الهندوسية» والأديان «الدارمية»، وقدمها ابن عربى بصيغة إسلامية جديدة. وكان «إخوان الصفا» هم من أسس «الغنوصية الإسلامية» فى رسائلهم المعروفة.

■ كيف يختلف مسار البحث الروحى بين «الغنوصية» التى تركز على «المعرفة الباطنية»، والتصوف الذى يركز على «الاتحاد مع الإله»؟
- ليس هناك فروقات كبيرة بينهما فى هذه النقطة، فالمعرفة الباطنية هى وسيلة العثور على الفكرة التى ترى أن الروح البشرية هى جزء من الله، والتصوف يستعمل هذه الفكرة لعودتها له والاتحاد مع الله. أما الاختلاف بين «الغنوصية» والتصوف فيكمن فى اختلاف جهازيهما المعرفى والروحى، فلكل منهما جهاز خاص به يمكننا الحديث عنه مفصلًا. كذلك يكمن الاختلاف فى كون التصوف أكثر عملية من «الغنوصية»، التصوف أشبه بطقس أبدى يعيشه المتصوف حتى نهايته، نشوان به ومنقطعًا من خلاله عن العالم المادى. بينما «الغنوصية» كنوز معارف عميقة وخصبة ذات طابع نظرى أكثر من كونها عملية.
■ هل يمكن اعتبار «الغنوصية» والتصوف رد فعل على الجمود الظاهرى للتقاليد الدينية السائدة؟
- هما حاجة قبل كل شىء، تدل قصة نشوئهما على ذلك، لكنهما مُوجّهان بقوة ضد «الدين الرسمى» عند كل الشعوب، والذى حين يتحول إلى طقوس شكلية وتوجهات سياسية ودنيوية، تظهر ميول وقوى «الغنوصية» والتصوف بقوة، وتسود كنوعٍ من الاحتجاج، وكتذكير بنزاهة ونقاء جوهر الدين.
■ فى كتابك «أنبياء سومريون» قلت إن الأنبياء ابتداءً من «آدم» ليسوا «أنبياءً» بل «ملوك سومريون».. كيف توصلت إلى هذه الفرضية؟
- المُقدّس غير ملموس، نحن افترضناه وربطنا الأشياء والتاريخ به. حين كتب «السومريون» بالكتابة المسمارية «ثبت الملوك» كانوا واقعيين جدًا، وضعوا تاريخ بداية ظهور الملوك فى وادى الرافدين قبل الطوفان، وهم أول الملوك فى التاريخ البشرى. لكن اليهود والتوراتيين لم يكن لهم ملوك بذلك القدم، لذا أخذوا قائمة «الملوك السومريين» وجعلوا منهم «آباء وأنبياء»، ليربطوهم بهم، عن طريق تغيير أسمائهم أو ترجمة معانيها إلى العبرية، وهكذا تحول اسم ملك إريدو «ألوليم» ومعه حكيمه «آدابا» إلى «آدم». وهكذا بقية الملوك الذين بعده.
المقارنة بين القائمتين كان قد أشار لها علماء غربيون، لكنهم لم يثبتوا ذلك بالتفصيل، فكان جهدى فى إثبات أن هؤلاء الملوك العشرة هم ذاتهم الآباء والأنبياء العشرة، فى كتاب شامل وموسع، لكن أُعيد إنتاجهم دينيًا، مع تحويل «الملوكية» التى نزلت من السماء عند «السومريين» إلى «النبوة» التى نزلت من السماء عند «التوراتيين»، وبذلك أحيطوا بالقداسة على مدى آلاف السنوات، ولم يمسهم أحد بالتحليل والمراجعة.

■ كيف كانت الشعوب تتلقى فكرة أن الحاكم مدعوم إلهيًا؟
- أعتقد أن نشأة الأديان القديمة قبل التوحيد مهدت للفكرة. ففى «ثبت الملوك السومرى» هناك ما يشير الى أن «الملوكية» نزلت من السماء، وهبطت فى أريدو أولًا، ثم بدأت تهبط فى المدن اللاحقة. وعندما نُخضع هذه العبارة للتحليل المفصل نجد أن «الملوكية» مُقدسة، بشكل أو بآخر، لأنها هبطت من السماء، حيث إله السماء هناك.
ولذلك أدركت المؤسسة الدينية آنذاك، التى يمثلها الكاهن الأعلى أو رجل الدين الأكبر، أن عليها الاتفاق مع المؤسسة السياسية التى يمثلها الملك، لتقاسم المصالح، فكان الملك يمارس ما يريد، والكاهن يبرر أفعاله ويباركها. وهكذا وجد الناس أنفسهم بين فكّين شرسين متحالفين لهضمهم، فتقبلوا الأمر واستكانوا.
وفى التاريخ الوسيط، قالت المؤسسة الدينية بالوحى والذى يُنزَل، مثل «الملوكية» من السماء، وهكذا ازدادت شراسة الأديان، وازداد تحالفها مع المؤسسة السياسية ودمجتها بها، فى الإسلام بشكل خاص.
■ هل ترى اختلافًا بين الثقافات فى طريقة استخدام الدين لتأكيد الحكم؟
- نعم بلا شك، ففى عصور ما قبل التاريخ كان الشامان والساحر بمثابة رجل الدين الذى يسيطر على القبائل والتجمعات ويربطها بمصالحه عن طريق قوته الروحية والمؤثرة فى جماعته. أما فى التاريخ القديم فاختلفت من دينٍ لآخر، وكانت المؤسسة الدينية ترعى مصالحها عن طريق تبرير أفعال المؤسسة السياسية، وتقف بوجه الملوك إذا ضربوا مصالحها ومعتقداتها.
وفى التاريخ الوسيط حصل ما يُشبه هذا، وتحول الدين إلى وسيلة للغزو والهيمنة على الشعوب. وفى التاريخ الحديث كان هناك تناغم بين السلطتين، وتعاون ضد الشعوب والنخب العالمة والعارفة والفنانين وغيرهم. وفى التاريخ المعاصر ظهر «الدين السياسى» كوسيلة لنيل السلطة والثروة.
■ كيف تفسر استمرار استخدام القادة السياسيين للرمزية الدينية أو السماوية حتى فى عصر العلمانية والديمقراطية؟
- هذا هو شأن الشعوب والقيادات الفاشلة، فى عصر لا يسمح بمرورهم إلى ما بعد نجاح العلم والديمقراطية. إنهم يستعملون مثل هذه الأمور لكى يستمروا فى الحكم، وكى تبقى أكاذيبهم. هم يحتقرون الشعوب التى يحكمونها، لأنهم يدركون أن جهل هذه الشعوب هو الذى يجعلها تقبل مثل هذه الألاعيب.