رشيد خالدى: المصالح الشخصية لـ«حماس» و«فتح» تعوق توحيد حركتنا الوطنية

- فلسطين فى حاجة إلى «حركة وطنية موحدة».. حتى لو جديدة
- «حماس» لا تعترف بإسرائيل ولا تمانع اعتراف باقى الفلسطينيين
- الاحتلال الإسرائيلى لن يبقى كما فى أمريكا ولن يرحل كما فى الجزائر
- لا توجد سلطة موحدة يمكنها تفسير شعار «فلسطين من النهر إلى البحر»
استضاف الصحفى والمفكر الأمريكى بيتر بينارت، عبر برنامجه للبودكاست «The Beinart Notebook»، المؤرخ الفلسطينى الدكتور رشيد خالدى، أستاذ «كرسى إدوارد سعيد» فى جامعة كولومبيا، وأحد أبرز الباحثين فى التاريخ الفلسطينى والصراع العربى الإسرائيلى.
اللقاء الذى تترجمه «حرف» فى السطور التالية، ناقش تاريخ فلسطين الحديث، ودور القوى العظمى فى تشكيل مصيرها، من وعد «بلفور» إلى «النكبة» والتحديات الحالية، وكذلك تأثير السياسة الأمريكية على القضية الفلسطينية، ومستقبل حل الدولتين، وغيرها من التفاصيل المهمة الأخرى.

■ ما الذى يميز النضال الفلسطينى اليوم من حيث الاستراتيجيات والرؤى والعلاقات الخارجية؟
- اللحظة الحالية فى النضال الفلسطينى تمثل نقطة تحول تاريخية، فالوضع الحالى يُشبه إلى حد كبير أحداث ١٩٤٨ و١٩٦٧، من حيث الحجم الكارثى والتأثير، عدد القتلى تخطى ٣٠ ألف شخص، وهو رقم يفوق أى أحداث سابقة فى تاريخ فلسطين، ومع استمرار القصف، يزداد هذا العدد بشكل مستمر. مشهد القتل والدمار يُعرض أمام العالم مباشرة عبر وسائل الإعلام الحديثة، وهو ما لم يكن يحدث فى الماضى، عندما كانت الأخبار تصل بشكل محدود عبر الصور أو التقارير الإخبارية.
هذه الفوارق تجعل تأثير الوضع الراهن أكبر وأشد وضوحًا، بالإضافة إلى ذلك، هذه الأحداث أعادت فكرة المقاومة المسلحة إلى قلب النقاش، بعد أن كانت مُهمَلة لفترة طويلة، ما يفتح بابًا لأسئلة عديدة حول المستقبل، المستقبل الفلسطينى ما زال غير واضح، فهو يتوقف على نتائج هذه الحرب، وكيف ستتغير السياسة الفلسطينية بعدها، هل ستنهار السلطة الفلسطينية؟ هل ستظهر حكومة ائتلافية تضم الفصائل المختلفة؟ أم أن الانقسامات ستستمر وتعوق التماسك السياسى الفلسطينى؟ كل هذه الاحتمالات تعتمد على كيفية تطور الأمور فى الفترة المقبلة.

■ كيف تتعامل كمؤرخ فلسطينى مع الفاجعة اليومية، خاصة مع المطالب المستمرة بتفسير ما يحدث وحجم المأساة؟
- الوضع صعب جدًا، لكن بالتأكيد ليس كالذى يواجهه الناس فى فلسطين. لدى عائلة هناك، ابنة أخى وعائلتها فى غزة وأهل زوجتى، منذ ٧ أيام ونحن مقطوعون عنهم، وكل صباح نستيقظ ونتساءل إن كانوا بخير ولا نعرف؛ لأن الاتصال انقطع تمامًا.
أعيش فى قلق دائم ، فلدى عائلة فى القدس والضفة الغربية. كل يوم أتساءل عن مصيرهم، كنت فى مكالمة «Zoom» مع شخص فى رام الله، وفجأة قال: «يجب أن أذهب، الجيش الإسرائيلى أسفل المبنى، علينا الإخلاء»، ثم أغلق المكالمة، ولم أتمكن من معرفة ما حدث بعدها، فى رام الله الجيش يقتحم المنازل، بينما فى جنين ونابلس وطولكرم وأريحا تُدمر المبانى من الجو.
ما يزيد الألم هو الدمار الثقافى الذى لا يقل مأساوية عن الخسائر البشرية. تابعت صورًا نشرتها «The Guardian» عن المبانى الثقافية المدمرة، مثل المساجد والمبانى التاريخية، وما لفت انتباهى هو أن الجامعات والمكتبات لم تُذكر، رغم أنها تمثل جزءًا كبيرًا من التراث الفلسطينى. كأكاديمى، هذا مؤلم جدًا، خاصة تدمير المبانى التى تعود إلى عصر المماليك أو قبله.
فقدنا العشرات من الأكاديميين الفلسطينيين فى هذه الحرب، بينهم حوالى ١٢ عميدًا وأكثر من ٢٠ من أعضاء هيئة التدريس والموظفين. أعرف بعض هؤلاء الأشخاص. فقدنا أيضًا بعض الكُتّاب الفلسطينيين، الذين كانوا جزءًا من التراث الثقافى والفكرى الفلسطينى.
فى بيت لحم، دُمِّرت مكتبة إدوارد سعيد، كانت مصدر إلهام أكاديميين كُثر. للأسف، قُتلت أمينة المكتبة وعائلتها، نحن نعيش مستوى غير مسبوق للدمار والمعاناة.
■ ما شكل النظام السياسى الفلسطينى أو الرؤية السياسية التى تود أن تخرج من هذه المأساة؟
- منذ فترة طويلة أنادى بضرورة اعادة إحياء حركة وطنية فلسطينية، سواء داخل إطار «منظمة التحرير» أو كيان جديد، الأهم أن تنتهى الحقبة الحالية، ونتجاوز المرحلة التى مثلتها «اتفاقية أوسلو»، فقد كانت كارثة مطلقة وكاملة للفلسطينيين.
أعتقد أن معظم الفلسطينيين متفقون على ضرورة توحيد حركتهم الوطنية، وتطوير استراتيجية موحدة لتحديد الهدف النهائى. رغم صعوبة ذلك، لكنه ليس مستحيلًا. التحديات كثيرة، مثل المصالح الشخصية للفصائل السياسية المختلفة وعلى رأسها «حماس» و«فتح»، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية لقوى متعددة مثل إيران وتركيا وقطر والولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا، وكذلك الدول العربية الكبرى. هذه القوى تتدخل فى السياسة الفلسطينية عادة بهدف إبقاء الفلسطينيين مُنقسمين وضعفاء، ما يساعدها فى الحفاظ على نفوذها، عبر وكلائها داخل الساحة الفلسطينية.
■ هل لديك تصور معين لهذه الحركة الوطنية الفلسطينية؟
- هناك وهم بأن «حماس» تسعى إلى إقامة «دولة إسلامية» كما جاء فى ميثاقها الأصلى عام ١٩٨٨. لكن هذا النص لم يعد له قيمة بعد وفاة من كتبوه. أى شخص يشير إليه الآن هو مجرد دعاية سخيفة، ما تحاول «حماس» قوله، بحسب مواقفها المتغيرة على مدى الـ٢٠ عامًا الماضية، هو أنها لن تعترف بإسرائيل، لكنها لا تمانع إذا اعترف الفلسطينيون الآخرون بذلك، يبدو أنهم يدعمون حل الدولتين، لكنهم يريدون أن يكونوا القوة المهيمنة داخل الدولة الفلسطينية. بعد ٧ أكتوبر، تغيرت الأمور بشكل كبير، ولا أحد يعرف كيف ستتطور الأوضاع، خاصة مع محاولات إسرائيل القضاء على قادة «حماس»، لذا لا أحد يستطيع التنبؤ بمن سيبقى على قيد الحياة، أو كيف ستتغير القيادة داخل غزة.
■ ما موقفك من المقاومة المسلحة؟
- إذا طلب منى إدانة «حماس»، سأطلب أولًا توضيح ما الذى يجب إدانته، خاصة إذا كان يتعلق بجرائم الحرب، يجب أن تكون الإدانة شاملة جميع الجرائم من جميع الأطراف، بما فى ذلك إسرائيل. العنف الفلسطينى جزء من سياق أوسع، يتضمن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية بشكل مستمر، ما يجعل العنف جزءًا من معادلة النضال من أجل التحرر.
إذا انتهى الاحتلال الإسرائيلى، وتمكن الفلسطينيون من إقامة دولة ذات سيادة حقيقية، فلن يكون هناك مبرر للاستمرار فى العنف. لكن طالما أن الفلسطينيين يُجبرون على العيش تحت الاحتلال، فالعنف سيظل جزءًا من الواقع. هذا مُشابه لما حدث فى حركات التحرر حول العالم، مثل أيرلندا والجزائر وجنوب إفريقيا، حيث كان العنف جزءًا من نضالها ضد الاستعمار.
■ برأيك.. ما الخطأ الأساسى فى «اتفاقية أوسلو»؟
- فى البداية، لم أكن أعتقد أن المفاوضات غير مُجدية، وإلا لما شاركت فى محادثات مدريد وواشنطن، لكن بعد سنتين من التعامل مع الدبلوماسيين الأمريكيين، أدركت أن هذه العملية لم تكن تهدف أبدًا إلى منح الفلسطينيين دولة ذات سيادة، بل كانت تهدف إلى الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية تحت مسمى «الحكم الذاتى». القادة الفلسطينيون فى ذلك الوقت لم يفهموا ذلك، فوقعوا «اتفاقيات أوسلو»، بينما كنا نحن الوفد الفلسطينى نرفض التوقيع على الشروط المجحفة.
بالنسبة لى، لا يهم شكل الحل، سواء كان دولة واحدة، دولتين، أو أى صيغة أخرى، المهم تحقيق المساواة الكاملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بحيث تكون للجميع حقوق متساوية. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الفلسطينيون فى صراع مستمر، لأن الاستعمار الاستيطانى لا يمنح الحرية إلا بالقوة أو تحت ضغط شديد.
من أكتوبر ١٩٩١ إلى يونيو ١٩٩٣، بعد جولات المفاوضات، حدث اتفاق بين «عرفات» و«رابين»، وهو الاتفاق الذى دفع منظمة التحرير الفلسطينية لقبول شروط رفضتها أنا. كتبت عن ذلك فى مقال بصحيفة «نيويورك تايمز»، فى سبتمبر ١٩٩٣، وقلت إن هذا لن ينجح.
■ أى نموذج استيطانى سيحدث فى فلسطين: هل سيبقى المستعمر كما فى أمريكا، أو سيغادر كما فى الجزائر؟
- لا أرجح أيًا من الاحتمالين. فكما للفلسطينيين مخاوف وهواجس من تحقق النموذج الأول، كذلك لدى الإسرائيليين مخاوف من تحقق النموذج الثانى. أعتقد أن المقاومة، ليست فقط الفلسطينية، ولكن من جميع الدول العربية، ستمنع إسرائيل من تحقيق هدفها فى تفريغ فلسطين من سكانها العرب.
كذلك أستبعد إمكانية إجبار إسرائيل «النووية» على التراجع الكامل، هذه الهواجس تؤثر على تفكير الفلسطينيين والإسرائيليين، مع تضخيم الآلة الإعلامية الإسرائيلية مخاوفها بذكر الكوارث التاريخية. فى النهاية، لن يحدث أى من السيناريوهين.
■ ما المقصود بشعار «ستتحرر فلسطين من النهر إلى البحر»؟
- كل شخص يستخدم هذا الشعار بحسب تصوره. فاليوم، لا توجد حركة وطنية فلسطينية موحدة، ولا هدف سياسى فلسطينى واضح، بسبب الضغوط الخارجية التى حطمت الوحدة الفلسطينية، بدءًا من إسرائيل، إلى أوروبا والولايات المتحدة، وانتهاءً بالدول العربية التى تتلاعب بالقضية الفلسطينية وفقًا لمصالحها. لا توجد سلطة فلسطينية موحدة يمكنها تقديم تفسير رسمى لشعار «فلسطين من النهر إلى البحر». على عكس إسرائيل التى لديها حكومة مُنتخَبة وبرلمان.
السلطة الفلسطينية مدعومة من أقل من ٨٪ من الفلسطينيين، بينما يُنظر إلى قادتها بازدراء. و«حماس» لم تحظَ بأغلبية فى أى استطلاع، وحتى فى انتخابات ٢٠٠٦ فازت بنسبة ٤٢.٩٪ فقط. عندما يتحدث الفلسطينيون عن فلسطين حرة، فهم يعبرون عن رغبتهم فى الحرية، وليس عن نموذج حكم معين. الفلسطينيون، سواء كانوا لاجئين أو تحت الاحتلال أو مواطنين من الدرجة الثانية فى إسرائيل، لا يشعرون بالحرية أو المساواة.
■ هل تغير وضع الفلسطينيين فى الخارج بعد الأحداث الأخيرة؟
- يتحسن وضع الفلسطينيين فى الغرب، خاصة بين الشباب والأوساط الأكاديمية والعمال، حيث بدأ بعض النقابات العمالية فى دعم وقف إطلاق النار، رغم غياب التغطية الإعلامية. كما أصبحت الجامعات أكثر انفتاحًا على دراسة القضية الفلسطينية. ومع ذلك، لا تزال مراكز القوة، مثل الإعلام والنخب السياسية والشركات الكبرى، تعادى الحقوق الفلسطينية، ما يشكل تحديًا كبيرًا، ويتجلى ذلك فى تعليق وحظر بعض المنظمات الطلابية الداعمة لفلسطين، ما يثير تساؤلات حول حرية التعبير فى الجامعات مثل جامعة «كولومبيا».

■ ما تأثير مراكز القوة هذه فى الجامعات؟ وكيف ترى حرية التعبير فى جامعة «كولومبيا» تحديدًا؟
- استقال اثنان من رؤساء الجامعات الثلاث. الذين تحدثوا أمام لجنة «الكونجرس»، احتجاجًا على الهجوم اليمينى الجمهورى على التعليم العالى وللتضامن مع فلسطين. هذا أدى إلى قمع حرية التعبير فى الجامعات، حيث مُنعت فعاليات أكاديمية واُستجوب الأساتذة.
فى جامعة «كولومبيا»، وقع ١٨ عميدًا على وثيقة تقول إن بعض التعبيرات تضر بمشاعر الطلاب، خاصة اليهود والإسرائيليين. هذا جزء من محاولة إسكات الطلاب والأساتذة على حد سواء. حُظرت منظمات مثل «طلاب من أجل العدالة فى فلسطين». هذا انتهاك صارخ لحرية التعبير، ويعمل فى اتجاه واحد، يُوصف فيه مؤيدو حقوق الفلسطينيين بـ«الإرهاب». لكن هذا لا يجب أن يحدد حرية التعبير السياسى.

■ كيف تصف تفاعل الطلاب، بمن فيهم اليهود، عند مناقشة القضايا الفلسطينية فى صفوفك؟
- على مدار ٢٠ عامًا، لاحظت تغييرًا كبيرًا فى فهم الطلاب لقضايا الشرق الأوسط، خاصة فلسطين وإسرائيل. أُدرِّس مُقرَرًا فى تاريخ الشرق الأوسط يتضمن جزءًا صغيرًا عن فلسطين وإسرائيل، لحوالى ٤٫٠٠٠ طالب سنويًا. طلاب «كولومبيا» يأتون من خلفيات متنوعة، مثل: «العرب والهنود والصينيون واليهود والسود، وأيضًا عدد كبير كانوا فى الجيش الأمريكى بالعراق وأفغانستان. هناك أيضًا عدد كبير من الطلاب الإسرائيليين، خاصة بعد اتفاقية مع جامعة تل أبيب. طوال هذه السنوات، كانت ردود الأفعال السلبية قليلة جدًا، وفى المجمل، أصبح الطلاب أكثر انفتاحًا وفهمًا، فقد نمت معرفتهم وفهمهم بشكل ملحوظ فى العقدين الماضيين.

■ كيف تمر تجربتك فى التدريس للطلاب الذين خدموا بجيش الدفاع الإسرائيلى؟
- يتميز طلابى الأكبر سنًا ببعض الخبرة، لا أتعامل مع الجميع بسبب كبر حجم الصف. لكننى أتعرف على من يسألون أو يأتون إلى مكتبى. خُضت نقاشات مع جنود إسرائيليين سابقين، كطالبة كانت ضابطة ومدربة قناصة، وأخرى دُرّبت على قيادة ناقلات الجنود، وذكرت أن النساء فى هذا الدور يصغى إليهن بشكل أفضل وفقًا لعلماء النفس العسكريين. العديد من هؤلاء الطلاب مروا برحلة فكرية وتغيرت نظرتهم بعد الجيش، بينما من لم يتغيروا غالبًا لا يتواصلون معى، أو يتركون تقييمات سلبية فى نهاية الفصل.

■ لماذا أصبحت القضية الفلسطينية محورية مؤخرًا؟
- يعود الاهتمام المتزايد بالقضية الفلسطينية بين الشباب إلى نشأتهم فى عصر حركات اجتماعية مثل «ستاندينج روك» و«حياة السود مهمة» و«مى تو»، وتأثرهم بفترة الوباء. لديهم وعى عميق بالعدالة، ويرون القضايا مترابطة من خلال مفهوم «التقاطع»، يفهمون الاستعمار الاستيطانى عبر قضايا السكان الأصليين، والعنصرية الأمريكية، والتمييز ضد المرأة، ما يجعلهم أكثر حساسية لهذه الظواهر، وربما هذا الاهتمام بسبب تكرار الهجمات على غزة، لكنى لست متيقنًا من السبب بالتحديد.