أحمد سعد زايد

أوقات كتيرة الحياة بـ تفرض علينا الاختيار، والاختيار دا بين أمرين مهمين، لـ إنه لو كان واحد منهم مش مهم، أو أقل أهمية بـ وضوح، ما كانش هـ يبقى «اختيار» أساسًا. فـ ساعتها هـ تعمل إيه؟
الناس بـ يختلفوا فى دا، بعضهم بـ يبقى حاسم، هـ أختار دا وأتنازل عن التانى، وأكمل طريقى، بـ اعتبار إن دى سُنة الحياة وطبائع الأمور، وما حدش بـ ياخد كل حاجة، ولا يجوز الجمع بين المتناقضات إلى آخر هذه العبارات، وبـ مرور الوقت بـ تنسى إنه أساسًا كان فيه اختيار.
ناس تانية بـ تحاول تجمع بين دا ودا، ودول أغلب الناس فى الحقيقة، لكن مش بـ ينجحوا، بـ يخسروا من دا ومن دا، وبعد ما يكونوا ضيعوا حبة وقت ومجهود حلوين، بـ يكتشفوا إنهم ما وصلوش لـ حاجة، فـ يرجعوا لـ نقطة الصفر، وهى الاختيار ولكن بـ طاقة أقل كتير من لحظة الاختيار الأولى.
وفيه ناس نوادر، بـ يقدروا يجمعوا الاختيارين، وما يتنازلوش عن أحدهما، ويحسسوك إنه أساسًا ما كانش فيه داعى لـ الاختيار، لـ إنه ما كانش فيه تناقض، ومن الناس دول أحمد سعد زايد.
خلينى أكلمك هنا عن الاختيار، وهو اختيار أزلى أبدى سرمدى، بين الجماهيرية والثقل. بين إنك تبقى مشتبك فى نطاقات واسعة، وفى الوقت نفسه منتجك له وزن.
يعنى، الانتشار عادة مرتبط بـ الخفة، لـ إنه مفيش حاجة بـ تنتشر إلا إذا لمست المشترك بين أعداد كبيرة، والأعداد الكبيرة بـ طبيعة الحال متفاوتة فى التحصيل والذهنية والجدية وكل شىء، ثم إننا عارفين المبدأ الشهير: القافلة تسير بـ احتمال أضعفها، يعنى العمل الجماعى فى الأغلب بـ يراعى القدرات القليلة قبل ما ينظر لـ القدرات العالية، علشان القافلة تمشى مع بعضها.
من هنا القابل أكتر لـ الانتشار هو الخفيف، لو بـ نتكلم عن الغنا مثلًا، فـ الفرصة الأكبر لـ الأعمال اللى مفيهاش شغل مزيكا كتير يتطلب تلقيه معرفة وخبرة، والكلام مفيهوش فكرة عميقة ولا شاعرية تحتاج مجهود ذهنى لـ تناولها، لأ، كل ما كانت أبسط، كل ما كانت أسرع فى التنقل.
قيس على كدا كل حاجة تقريبًا، والموضوع بـ يتضاعف يتضاعف يتضاعف، لما يكون الأمر خاص بـ الفكر والفلسفة وقضايا الإنسان والوجود والبحث التاريخى الساعى لـ تكوين سرديات منضبطة منهجيًا، هنا بـ يبقى التفكير فى الجماهيرية باعث لـ الشفقة على من يحاولها.
عبر التاريخ، الناس اللى حرصت على الثقل، كانت جماهيريتها أقل، حتى لو الاسم انتشر لـ ظروف لا تتعلق بـ منتجه، لكن بـ يفضل المنتج نفسه بعيد عن التداول، نصر حامد أبوزيد مثلًا، أشهر من نار على علم كـ اسم، لكن كام واحد يقدر يقرأ مثلًا إشكاليات القراءة وآليات التأويل؟
فى المقابل، ودون تسمية أحد، اللى اهتموا بـ الجماهيرية «ودا مش عيب» ما كانش ليهم وزن كبير من ناحية الفكر، يمكن لعبوا أدوار مهمة، يمكن ساعدوا، يمكن فتحوا الباب لـ دخول المخ إلى المجال، لكن منتجهم فضل فى حدود الدور الوظيفى ولم يتجاوزه.
أحمد سعد زايد، يكاد يكون النموذج الوحيد اللى حافظ على الاتنين وهو سايب إيديه، والواقع إنه دى حاجة مبهرة بـ النسبة لى، ما أفتكرش إنى شفت له أو سمعت له كلام «متنازل» عن الجودة من أجل إثارة الجدل، لكن فى الوقت نفسه قادر يتفاعل مع جميع المستويات دون أن يخسر وزنه.
الواقع إنى كل ما بـ أقابله، بـ أبقى نفسى أسأله: إنت عملتها كدا إزاى؟