نقاد النواصى العشوائية

النقد حالة إبداعية لها أصول وقواعد ومتخصصون يستطيعون أن يصلوا إلى نقاط القوة والضعف فى الأعمال الفنية والأدبية
مصر أصبحت محملة بظلال وهوامش وتقاطعات وتربصات وشكوك بسبب الهوى السياسى الذى يغلب على البعض
فارق كبير بين الرأى والنقد.
يمكنك كمشاهد تتابع أى عمل فنى أو تقرأ أى عمل أدبى أن تقول رأيك، وتنشره حتى على أوسع نطاق، ومنصات التواصل الاجتماعى تتيح لك ذلك، فيمكن أن يحظى رأيك بمتابعة وتأييد وإعجاب وإعادة نشر، بل يمكن أن تجد من يتبنى رأيك ويدافع عنه، لكنه يبقى فى النهاية مجرد رأى انطباعى، يحتمل الصواب والخطأ.
فرأيك مهما كان قويًا ومتماسكًا ومنطقيًا، فهو يعكس ثقافتك التى قد تكون محدودة، ومزاجك الذى قد يكون متقلبًا، وقناعاتك التى هى من الطبيعى جدًا أن تتفق أو تختلف مع قناعات الآخرين.
لكن النقد شىء آخر.

إنه حالة إبداعية لها أصول وقواعد ومتخصصون، يستطيعون من خلال مناهجهم وأدواتهم أن يصلوا إلى نقاط القوة والضعف فى الأعمال الفنية والأدبية، يدركون من خلال ملكاتهم الخاصة- بعضها فطرى وبعضها مكتسب بالدراسة الجادة- مواطن الجمال فى عمل ما ومواطن القبح أيضًا، يستطيعون أن يقفوا على الأخطاء والهنات والعثرات التقنية التى قد تعترى عملًا ما.
فى رأيك يمكن أن تقول إن العمل الفلانى لا يعجبك، أو يعجبك، تفعل ذلك دون أن تعرف سببًا محددًا، أو تملك تفسيرًا لشعورك تجاهه.
فقد تضبط نفسك معجبًا بعمل ما لا يعجب الآخرين، وقد تنفر من عمل يجمع عليه من حولك، وعندما تحاول شرح وجهة نظرك، تكتفى بالقول: والله ده إحساسى.
وبالطبع لا يمكن لأحد أن يلومك على إحساسك، أو يصادر منك شعورك، أو يقول لك: اصمت ولا تتكلم.
أقول ذلك لأننى، على هامش متابعتى الكتابات التى لم تنقطع حتى الآن عن الأعمال الدرامية التى عُرضت خلال شهر رمضان، رصدت طوفانًا من الكتابات التى تعبر عن رأى ووجهات نظر، ولا تعبر عن نقد علمى موضوعى يخضع للأسس والقواعد.

أعرف أنه لا شىء جديدًا، فهذه عادتنا التى فطرنا عليها.
فعبر العقود الماضية، نلتف حول الأعمال الدرامية، نشاهدها بدأب ونتابعها باهتمام، ونتحدث عنها بشغف، نجعلها جزءًا من حياتنا وحواراتنا، نتعاطف مع بعض الأبطال ونلعن آخرين، نحاول أن نرسم مسارات للسيناريو، ونضع على ألسنة الأبطال جملًا حوارية نتمنى أن نسمعها، ونجتهد فنتوقع نهايات المسلسلات التى نعتبرها ملكًا لنا، لا ينقطع الحديث فى جلسات الأصدقاء على المقاهى، وحول موائد الطعام فى البيوت، وفى مكاتب الموظفين، وفى المواصلات العامة.
الكل يتحدث ويقيّم ويبدى رأيه.
المختلف فى السنوات الأخيرة، وبتأثير تغول منصات السوشيال ميديا على حياتنا وفيها، أن الآراء التى كانت تتبخر بمجرد أن نتحدث عنها فى جلساتنا، أصبحت مكتوبة ومنشورة وموثقة، وبعد أن كان يستمع إليها العشرات ممن حولنا، أصبح يتفاعل معها المئات وربما الآلاف، ويصل التفاعل مع بعض الآراء إلى ملايين، وقد يكون هذا هو ما منح الآراء العادية التى كنا نقولها لنعبر عن أنفسنا بين المجموعات الصغيرة قيمة فى الحقيقة لا تستحقها، فما نقوله رأى عابر، لا يمكن أن يعتد به فى الأعمال الدرامية.
ولأن صناع الأعمال الدرامية والأدبية يدركون قوة تأثير هذه الآراء، ويعرفون أهمية تكرارها وإعادة نشرها والإلحاح بها على من يتفاعلون على منصات التواصل الاجتماعى، فقد لجأوا إلى اللجان الإلكترونية، أسسوها وأنفقوا عليها، ودفعوا بها إلى الساحات الافتراضية، وبتأثير ذلك وجدنا أعمالًا روائية تافهة لا تستحق مجرد القراءة تتقدم وتصبح على قائمة الأكثر قراءة، وأعمال درامية مفككة وبلا قيمة تتحول إلى ملحمة يلتف حولها الناس.
أحدثت هذه الآراء المصنوعة ما يشبه الفوضى، التى ضاعت فى سراديبها الأعمال الجادة، وأصبحت هناك جرأة على التقييم وترتيب الأعمال طبقًا لما تفرضه الآراء التى أتعامل معها على أنها آراء عشوائية، يبديها نقاد عشوائيون عبر منصات افتراضية عشوائية أيضًا.
قبل سنوات من الآن، كان لدينا نقاد معتبرون، نثق فى ثقافتهم وذائقتهم وتقديرهم للأمور، كتاباتهم كانت دليلًا لمن يشاهد على جودة الأعمال أو عدم جودتها، وكان هؤلاء النقاد يجتهدون فى مشاهدة الأعمال الدرامية وقراءة الأعمال الأدبية، وعندما يكتبون كانوا يتحولون إلى قضاة عدول، لا يجاملون أو يستسهلون فى إطلاق الأحكام، وفى تاريخنا يمكن أن نصادف أسماء مهمة لنقاد كبار مثل سامى السلامونى وسمير فريد ورفيق الصبان وكمال رمزى، وعلى أبوشادى ورءوف توفيق وطارق الشناوى وماجدة موريس وماجدة خير الله.
ولأن مصر لا تعدم الموهوبين، فهى قادرة على إفراز أجيال جديدة فى كل مجال، فقد ظهر جيل جديد من الكتاب والنقاد يقف على رأسهم الآن الناقد الكبير عصام زكريا، وإلى جواره مجموعة من الشباب الذين بدأوا فى بلورة مشروعاتهم النقدية الجادة والحقيقية، من بينهم طارق مرسى وخالد محمود وعلا الشافعى ومصطفى عمار وحنان أبوالضيا وصفاء الليثى، ورامى المتولى ومحمد سيد إبراهيم ومصطفى الكيلانى وعلى الكشوطى وأندرو محسن وناهد صلاح.
لآراء هؤلاء جميعًا وزن وقيمة كبيرة، ومنذ سنوات يستعين بهم الصديق العزيز أحمد الطاهرى فى باب خصصه كل رمضان فى مجلة «روزاليوسف» أطلق عليه «دورى النقاد»، يكتبون ويقيّمون ويمنحون الدرجات للأعمال الدرامية، يفعلون ذلك بتجرد شديد وموضوعية أشد.
إذا كنت تريد أن تقف على تقييم حقيقى للأعمال الدرامية التى عُرضت خلال شهر رمضان يمكنك أن تعود إلى ما كتبه هؤلاء، فلديهم ما يقولونه طبقًا لمعايير فنية محددة، لا يطلقون أحكامًا عشوائية فى الهواء، لا يتحدثون بذائقتهم الخاصة، ينصفون الأعمال الحقيقية الجادة بصرف النظر عن آراء الجمهور، أو ما نطلق عليه الآن ترندات المسلسلات.
فى عالم الدعاية للمسلسلات، ستجد أن كل مسلسل كان ترند مصر والعالم العربى، بل العالم كله، ولن يكون عجيبًا أو مدهشًا عندما تجد كل الفنانين والفنانات يقولون إنهم الأهم والأشهر والأعظم والترند رقم واحد، وهذا ليس غريبًا إذا علمنا أن الترندات تُصنع على عين أصحابها، بل يمكنك أن تكون رقم واحد على الكوكب كله بعدة آلاف من الجنيهات، وبكتيبة من اللجان الإلكترونية.
الفوضى التى يصنعها النقاد العشوائيون أدخلتنا فى متاهة كبيرة، لدرجة جعلتنا لا نعرف على وجه اليقين المسلسل الجيد من الردىء، لا نعرف هل المسلسل الفلانى هو ما يريده الجمهور ويعبر عن ذوقهم، أم أن الاهتمام به ليس إلا انعكاسًا لدعاية مكثفة مدفوعة ومخططة بعناية شديدة؟
حالة التيه هذه تمثل أكبر خطر على صناعة الدراما المصرية، بل يمكن أن تهزمها فيما هو قادم من سنوات، لأنها طمست أى ملامح لما يجب أن تكون عليه الدراما.
لست من أنصار فرض أى وصاية من أى نوع على الدراما، لا أميل لاستخدامها سياسيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا، لكن فى الوقت نفسه لا أدعم أن تكون الدراما منفصلة عن الواقع، تعمل بعيدًا عنه، ولا تعكس ما يحتاجه الناس، ولا أقول ما يريدونه، لأن هناك فارقًا كبيرًا جدًا بين ما يريده الناس وما يحتاجونه.
عندما يتدخل الهوى السياسى فى الدراما تفسد، ليس فى المحتوى الذى تقدمه فقط، ولكن فى الحكم عليها أيضًا.
عندما ختم صناع مسلسل «لام شمسية» أحداث عملهم، الذى حظى بإعجاب الجميع بأغنية «اسلمى يا مصر»، قامت قيامة أصحاب الهوى السياسى، وبدأوا فى تأويل ما جرى من باب أنه لا بد أن يكون هناك تدخل سياسى، من جهة ما، فرض هذه الأغنية تحديدًا على صناع المسلسل، وبدأت السخريات تصاغ بناء على هذا الهوى، إذ ما علاقة مصر بجريمة التحرش بالأطفال التى عالجها المسلسل بقوة وقسوة وبراعة؟
كان يمكن أن تمر هذه النهاية بهدوء شديد لو لم يكن هناك متربصون بكل شىء يحدث فى مصر، هناك حالة من القلق العشوائى والمشوش من كل ما يقوم به النظام، وهو ما يجعل من يضعون أنفسهم فى خانة خصومه ومعارضيه يذهبون فى تفسير كل ما يحدث إلى أنه مؤامرة أو رغبة فى تمرير رسالة ما أو فكرة ما، دون أن يكون لديهم دليل على ذلك.
عندما احتدم الجدل حول هذه النهاية، خرج الكاتب الكبير عبدالرحيم كمال بصفته مساعد وزير الثقافة لشئون الرقابة على المصنفات الفنية، وكتب على صفحته نصًا: سرت شائعة بخصوص نهاية مسلسل «لام شمسية» أن الرقابة فرضت أغنية «اسلمى يا مصر»، وهو أمر عارٍ تمامًا من الصحة، والنهاية وضعها صناع العمل ولا علاقة للرقابة بذلك الأمر من قريب أو بعيد.. لذا يجب تحرى الدقة.
كان يمكن أن ينتهى الجدل حول نهاية المسلسل بما قاله عبدالرحيم، خاصة أنه لم يقله فقط كرئيس للرقابة على المصنفات الفنية، بل بوصفه أيضًا واحدًا من صناع الدراما فى مصر، وهو بهذه الصفة يعرف جيدًا كواليس ما يحدث فى صناعة المسلسلات، ولو كان يعرف أنه حدث تدخل من أى نوع من أى جهة لما تطوع وكتب ما كتب، خاصة أنه على حد علمى لم يطلب منه أحد هذا التوضيح، بل هو من كتبه بنفسه.
لكن ما جرى أن الجدل ولّد جدلًا آخر، وبدأت دائرة النقاش تتسع، فإذا كانت الرقابة لم تتدخل فحتمًا هناك جهات أخرى تدخلت وألزمت صناع المسلسل بوضع هذه الأغنية تحديدًا.
ووجه الغرابة فيما يحدث أن الأغنية هى «اسلمى يا مصر»، أغنية لمصر الدولة والناس والمجتمع، وليست مصر النظام، ثم إن المسلسل لم يتحول إلى مسلسل سياسى أو وطنى لمجرد وضع الأغنية فى نهايته، بل ظل كما هو دراما اجتماعية تناقش ظاهرة يعانى منها الناس وتئن تحت وطأتها البيوت.
عندما نرى أمامنا موجة من الجرائم الاجتماعية نقول بعفوية: ربنا يسلم مصر، لأننا ندرك أن كل وأى شىء يحدث حتمًا يؤثر على مصر واستقرارها وصورتها، وهو ما يجعلنى أميل إلى أن وجود الأغنية فى نهاية هذا المسلسل طبيعى جدًا ولا غرابة فيه.
ما يحزنك فعلًا فيما جرى من نقاش وجدل وخلاف أن اسم مصر أصبح يثير حساسية لدى البعض، فحتى مصر أصبحت محملة بظلال وهوامش وتقاطعات وتربصات وشكوك بسبب الهوى السياسى الذى يغلب على البعض فى أحكامهم وآرائهم.
وإذا سألتنى عن علاقة ما جرى فيما يخص مسلسل «لام شمسية» وأغنية «اسلمى يا مصر» التى اختار صناعه أن يختموا بها عملهم بظاهرة نقاد النواصى، سأقول لك إن هذا النقاش الذى أعتبره عشوائيًا هو نتاج واضح لنقاد النواصى الافتراضيين العشوائيين، فقد قالوا ما قالوه دون أن يكون لديهم دليل واحد يؤكد كلامهم.
لقد عانت دراما هذا العام، التى يعتبرها النقاد المعتبرون أفضل دراما تم تقديمها منذ عقود، من حملات إساءة وتشويه ولبس كبير بخصوص ما قدمته، وأعتقد أن ما جرى كان بسبب الفوضى التى أحدثتها الآراء العشوائية التى ستضر مستقبل الدراما، لا شك فى ذلك عندى.
ليس معنى ما أقوله أننى لا أريد لأحد أن يتحدث.
فمن زاوية أن ذلك لا يمكن أن يحدث أبدًا، سيظل الناس يتحدثون طالما أنهم يمتلكون هواتف محمولة، ولدى كل منهم منصة تتيح لهم الكتابة فى أى وقت.
ومن زاوية أخرى لأنه من حق كل إنسان أن يبدى رأيه، هذا حق أصيل كفله الدستور والقانون، ولا يمكن أن نقول للناس قولوا كذا وامتنعوا عن قول كذا، الناس أحرار فيما يعجبون به وفيما ينفرون منه وفيما يعبرون به عن ذلك أيضًا.
كل ما أريده وما أسعى إليه هو أن نفصل بين ما هو رأى وما هو نقد، أن نضع حاجزًا بين ما يقوله الناس بعفوية يعبرون به عن أمزجتهم وبين الحملات الموجهة والمدفوعة، أن تتوقف الفوضى فى الحكم على الأعمال الفنية والأدبية، لأننا خسرنا كثيرًا بسبب هذه الفوضى، وأعتقد أننا سنخسر أكثر إذا استمرت.