خيانة النص.. سارة حواس تتحدث عن أسرار الترجمة

- من الطبيعى أن يفقد النص الأصلى أجزاءً منه أثناء الترجمة
- أترجم قصائد 20 شاعرة حُزنّ «جائزة بوليترز» فى كتابى الجديد
- مَن يريد أن يكتب شعرًا غير تقليدى عليه مطالعة الشعر العالمى
تفتح الدكتورة سارة حواس نافذة جديدة على إبداعات الشعر الأمريكى، من خلال ترجماتها الأنيقة لنماذج مختارة للشعراء الذين تركوا بصمة لا تُنسى فى تاريخ الأدب العالمى.
هذا المنجز المهم، سجلته سارة حواس فى كتابها الجديد «ولاؤهم للروح.. عشرون شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة بوليتزر.. مختارات شعرية وسِيَر»، الصادر عن «بيت الحكمة للثقافة» مؤخرًا، ويفتح آفاقًا جديدة للقارئ العربى ليتجاوز حدود اللغة والثقافة، ويتعرف على هذا العالم المختلف لهؤلاء الشعراء.
ولم تكتف المترجمة بترجمة القصائد فقط، بل أضافت السيرة الحياتية للشعراء، حتى تصبح الترجمة قادرة على التعبير عن الشاعر حياتيًا وشعريًا، وتتمكن من إدخال القارئ فى عوالم كل شاعر.
«حرف» أجرت حوارًا مع سارة حواس حول كتابها الجديد، وكواليس إصداره، وطقوسها فى الترجمة، ورؤيتها هذا الفن بشكل عام.

■ ترجمت لعشرين شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة «بوليتزر».. كيف جاءت فكرة المشروع؟
- فى أثناء دراستى فى «المدرسة التجريبية للغات» وفى «كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة المنصورة»، درست الأدب الإنجليزى فى شتى الصور، المسرح والرواية والشعر، لكننى لم أدرس الأدب الأمريكى بالصورة الكافية، سواء فى المدرسة أو الكلية، فأحببت أن أسلط الضوء على الأدب الأمريكى، وبخاصة الشعر، فالفكرة جاءت من هنا، أردت أن أركز اهتمامى على الشعر الأمريكى الحديث، فثمة أسماء كثيرة من الشعراء والشاعرات الأمريكيين من الذين تناولتهم فى كتابىَّ «ثقب المفتاح لا يرى.. عشرون شاعرة أمريكية حائزات على جائزتى نوبل وبوليتزر»، و«ولاؤهم للروح.. عشرون شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة بوليتزر.. مختارات شعرية وسِيَر» الصادرين عن «بيت الحكمة للثقافة»، لم يكتب ولم يترجم لهم ولهن من قبل، فأحببت أن أقدم أصواتًا شعرية أمريكية جديدة على الوسط الثقافى المصرى والعربى، لكنها أصوات شهيرة ومتحققة فى الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربى.
واخترت الشاعرات والشعراء الذين حازوا جائزة «بوليتزر»، لأنها الجائزة الأشهر والأرفع فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومَن ينالها يظل حاضرًا فى المشهد الثقافى الأمريكى والغربى طوال حياته، فهى فى منزلة جائزة «نوبل» بالنسبة للمجتمع الثقافى الأمريكى.

■ ترجمت من قبل لعشرين شاعرة حُزْنَ جائزة «بوليتزر» أيضًا.. هل قصدت تغطية مسار الشعر الأمريكى شعراء وشاعرات؟
- ترجمت قصائد، وكتبت سيرًا لعشرين شاعرة أمريكية حزن جائزة بوليتزر فى كتابى «ثقب المفتاح لا يَرَى.. عشرون شاعرة أمريكية حائزات على جائزتى نوبل وبوليتزر» الصادر عن «بيت الحكمة للثقافة» فى ٢٠٢٤، وهذا العام ترجمت وكتبت سيرًا لعشرين شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة «بوليتزر» أيضًا فى كتابى «ولاؤهم للروح.. عشرون شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة بوليتزر.. مختارات شعرية وسير»، الذى صدر من أيام عن «بيت الحكمة للثقافة».
وهذه ليست مجرد ترجمات لقصائد، بل سير لشاعرات وشعراء متحققين ولهم شهرة واسعة فى الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الثقافى الغربى، فهذان الكتابان فى منزلة مشروع لترجمة الشعر الأمريكى بصفة عامة، وسأكمل هذا المشروع فى كتب أخرى كثيرة حتى يكتمل المشروع وتكتمل الصورة الشعرية الأمريكية فى أذهان القارئ المصرى والعربى، فأنا حريصة على أن يكون القراء على دراية كاملة بالمشهد الشعرى الأمريكى الحديث، لأنه يستحق الاحتفاء والاهتمام به لما به من أشكال شعرية حديثة وموضوعات جديدة، وأخرى غريبة على القارئ المصرى والعربى، ومَن يريد أن يكتب شعرًا جديدًا وغير تقليدى فعليه أن يطلع على المشاهد الشعرية المختلفة فى شتى بلدان العالم، فتلتقط روح الشاعر المصرى والعربى همسات شعرية متنوعة من هنا وهناك وتكتمل عنده صور جديدة لم يكتب عنها من قبل، فالعملية أشبه ما تكون بقطع البازل التى نجمعها لتكوين صور جديدة لم يتطرق لها أحد من قبل.

■ الكثيرون والكثيرات حزن وحازوا «بوليتزر».. لماذا هذه الأسماء بالذات؟
- ليست هناك شاعرات أمريكيات كثيرات حزن جائزة بوليتزر، فهن خمس وعشرون شاعرة، اخترت منهن عشرين شاعرة، أما الشعراء الأمريكيون فهم خمسة وستون شاعرًا اخترت منهم عشرين أيضًا كما فى كتابى السابق «ثقب المفتاح لا يرى»، فأنا أختار ما تميل إليه روحى وما يتناسب مع ذائقتى، أى بمعنى آخر، أختار ما أحب أن أترجمه وأنقله إلى الثقافة العربية، فليست لدىَّ معايير معينة أختار على أساسها سوى ما تحبه نفسى ويتناسب مع ذوقى الخاص فى الشعر، وأيضًا كنت حريصة على اختيار الأحدث الذى لم يتطرق لهم أو لهن أحد قبلى فى الكتابة عنهم أو ترجمتهم، فأنا أهتم كثيرًا بتقديم الأحدث والأجود والأقرب إلى نفسى.
■ حين تترجمين لشاعر ما فأنت فى حاجة إلى قراءة الكثير عن حياته.. كيف كانت هذه التجربة؟
- أنا لا أُقبل على ترجمة شاعر أو شاعرة قبل قراءة مقالات ودراسات عن حياته وشعره وتطوره الشعرى، فذلك يمكِّننى من معرفة الكثير عنه وأيضًا قراءة شعره من زاوية مختلفة تجعلنى أفهم بين سطوره الشعرية وأعرف ما يجول فى ذهنه وروحه من أفكار ومشاعر، كما أننى استفدت كثيرا من قراءاتى لهذه المقالات والدراسات، فهى بمنزلة «قصص قصيرة» ملهمة ومحفِّزة على الإنجاز والاستمرار بنجاح فى الحياة؛ برغم كل الصعوبات التى قد تواجه الإنسان، فأردت أن أنقل للقارئ قصص حياة شعراء وشاعرات ناجحات ومتحققات لم يصلوا إلى هذا النجاح بسهولة، بل بالاستمرار والكفاح والتغلب على كل ما يعرقل مسيرتهم الشعرية، فلكل منهم قصة حياة ملهمة قد تلهم عاثرًا فى الحياة أو بائسًا قد فقد الأمل فى النجاح، فذلك كان أحد أسبابى للكتابة عنهم، كما أننى رصدت تطورهم الشعرى من أين بدأوا وإلى أين انتهوا، أى كيف تكون البدايات والنهايات.
هذه التجربة أصقلت معرفتى وأثرت عقلى بالمزيد من الأفكار والتجارب المختلفة التى خاضها غيرى من خلال رحلة حياتهم الإنسانية والشعرية.

■ بالتأكيد هناك معايير معينة حرصت عليها فى الترجمة حتى لا تخونى النص الأصلى؟
- هى مقاربات فى الترجمة نستخدمها ونلجأ إليها لوجود اختلافات عميقة بين الثقافتين الإنجليزية والعربية، فكثير من الكلمات فى اللغة الإنجليزية ليست لها تطابق فى اللغة العربية والعكس صحيح.
فيلجأ المترجم حينها إلى المقاربة ليصل إلى المعنى الأقرب للكلمة ليوصل للقارئ المعنى المقصود فى النص، كما أن هدفى الأساسى من ترجمة النصوص الشعرية هو وصول المعنى ومشاعر الشاعر إلى المتلقى، فالقارئ المصرى والعربى العادى يريد أن يتعرف على ثقافة أخرى جديدة من خلال قصائد شعرية، فماذا يعنيه من التزام بوزن أو قافية وعدم الاهتمام مثلًا بذكر المعنى والمشاعر المعنية فى النص، وأعتبر ذلك أيضًا نوعًا من الخيانة المحببة، لأن المترجم مهما وصل من خبرة وحنكة، فيضطر أحيانًا إلى الخيانة فى المعنى على حساب الوزن والقافية، أو خيانة الأخير على حساب المعنى ومشاعر الشاعر الذى يريد أن يوصلها إلى المتلقى، لكننى أفضل دومًا أن أوصل الصورة الشعرية بمعانيها ومشاعرها المتوارية والظاهرة للقارئ، لأننى لا أكتب فقط للقارئ المثقف المخضرم المتخصص، ولكننى أكتب للقارئ العادى والذى يقرأ الشعر المترجم يعى تمام الوعى أنه مترجم وليس نصًا أصليًا أصيلًا، فمن الطبيعى أن يفقد النص الأصلى أجزاء منه أثناء الترجمة، ولكننا نبذل قصارى جهدنا فى أن يحتفظ النص المترجم بعناصر كثيرة وحيوية من النص الأصلى؛ حتى لا يصبح النص المترجم مجرد مسخ لا هوية له.
لذا هى ليست خيانة، ولكننى أطلقُ عليها عملية تجميل للنصِّ سواء بالإضافة أو الحذف، فالاختلافات الثقافية بين اللغتين الإنجليزية والعربية تحتِّمُ على المترجم اللجوء فى بعض الأحيان إلى إضافة كلمةٍ أو حرفٍ، أو ربما إحداث تغييرات قليلة فى أسلوب الكتابة الشعرية كتقديم أو تأخير فعل أو اسم أو حرف، شريطة ألا يخل بالمعنى المطلوب فى النصِّ الشِّعرى، وأحيانًا أخرى يلجأ المترجم إلى حذف بعض الكلمات التى إذا نقلت إلى لغةٍ أخرى، ستنقل بصورةٍ حرفيةٍ ولا تؤدِّى إلى المعنى المطلوب وستُشوِّه النصَّ الشِّعرىَّ المترجمَ، لهذا يلجأ المترجمُ فى بعض الأحيان إلى الترجمةِ بالحذف، وأنا مع مدرسة «مُمارسة عملية تجميل النص إذا اقتدى الأمرُ ذلك» وألا أترجمَ خطأ ارتكبه الشاعرُ، بل أضيف إليه أو أحذف منه شريطة ألا أخونَ المعنى المطلوب أو رسالة النصِّ وشاعره.
كما أن هناك فروقًا واضحة بين الترجمتين من وإلى اللغة العربية، هى أن العربية لغة ثرية وغنية وبحرها واسع وعميق يستوعب ويحتضن ويحتوى كل المشاعر والكلام وحتى المسكوت عنه، وذلك يسهل على المترجم اختيار المفردة المناسبة دون حيرة فى البحث أو التنقيب فى المعاجم عن المعنى المقصود أو المطلوب، أما اللغة الإنجليزية وبرغم حبى العميق لها وتخصصى فيها فإنها مهما تعددت مفرداتها وأساليبها المختلفة فإنها لغة محددة، بمقارنتها مع اللغة العربية.
■ هناك من الشعراء من ينتمى إلى أصول إفريقية مثل يوسف كومنياكا وچريكو براون، وهناك من ينتمى إلى أصول أيرلندية مثل بول مولدون.. كيف وجدت هذه الاختلافات فى القصائد؟
- التنوع غالبًا فى تيمات القصائد وموضوعاتها، فتجد الشعراء الذين ينتمون إلى أصول إفريقية، يتحدثون غالبًا عن التفرقة العنصرية، والحروب، والصعوبات التى يجدونها فى محيطهم لكونهم من أصول إفريقية، وليس معنى هذا أنهم ليسوا من أصحاب التنوع والتجدد، بل إنهم محترفون، حتى الشاعر الأمريكى «جريكو براون» اخترع شكلًا شعريًا جديدًا اسمه «دوبلكس» Duplex وهو مزيج من ثلاثة أشكال شعرية قديمة، هى: «الغزل» Ghazals، و«بلوز» Blues و«السوناتة» Sonnets. أما «بول مولدن» فهو شاعر من أصل أيرلندى صاحب تجربة مختلفة، سواء فى أسلوبه الشعرى أو فى اختياراته تيمات قصائده، فكتب عن الحب وتأثر بالأساطير التى تخص المسيحية، كما أنه كان مهتمًا بالطبيعة وتحدث عنها فى بعض قصائده.
■ جون بيريمان كانت نهايته الانتحار مثل «سيلفيا بلاث» و«سارة تيسيديل» و«آن سيكستون».. من خلال قراءاتك وتجربتك فى الترجمة.. لماذا ينتحر الشعراء الذين يكتبون «الشعر الاعترافى»؟
- انتحار الشاعر الأمريكى «چون بيريمان» كان مفاجأة مريبة بالنسبة لى، لأنه واحد ممن تبنوا الشعر الاعترافى، وقد سبق أن كتبت عن هذا النوع من الشعر الذى تبنته شاعرات أمريكيات حائزات جائزة بوليتزر فى كتابى السابق «ثقب المفتاح لا يرى»، وهن «سيلفيا بلاث» و«سارة تيسديل» و«آن سيكستون»، وأيضًا «شارون أولدز»، ولكنها لم تقدم على الانتحار بعد، فعندما شرعت فى قراءة «جون بيريمان» ووجدت أن نهايته كانت الانتحار أيضًا فزادت تساؤلاتى حول هذا الموضوع الشائك، الذى لم أجد له جوابًا، ولكننى توصلت إلى نتيجة واحدة، وهى أن «الكتابة لا تشفى من جروح حفرت عميقًا مكانها فى الروح».
■ هناك تنوع فى التيمات الشعرية التى تحتويها القصائد هل قصدت هذا فى اختياراتك؟
- بالتأكيد، أحببت أن أقدم تيمات وموضوعات وأشكالًا شعرية مختلفة تغذى عقل وروح المتلقى وتعرفه بالجديد والمختلف فى الشعر الأمريكى الحديث، فما الفائدة من تقديم القديم أو الذى طُرق بابه من قبل، فالمتلقى ذكى يذهب دائمًا نحو التجدد والتنوع، كما أنه من خلال القصائد الشعرية يتعرف ما يجول فى ذهن الشاعر وما يهمه من موضوعات تحدث فى حياته الشخصية أو فى محيطه، فذلك يزيد من معرفة القارئ الثقافية ويصقله بتجارب آخرين ربما قد عاشوا ما عاشه، ولكن بطريقة أو بأخرى.
ففى كتابى الجديد «ولاؤهم للروح.. عشرون شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة بوليتزر» تجد تيمات مختلفة للقصائد، فتارة عن الشعر والكتابة الشعرية والحب والفقد، وتارة أخرى عن حب الطبيعة والتأمل والوحدة والعزلة والحرب.
وقصدت هذا التنوع ليكون أيضًا مصدرًا لإلهام القارئ والشاعر والكاتب، يفتح أمامهم مجالًا للتنوع أيضًا فى كتابتهم الشعرية والنثرية أيضًا.