الجمعة 04 أبريل 2025
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

كل دقة فى قلبى.. نوال مصطفى تكشف أسرار أبطال «مشوار العمر»

نوال مصطفى
نوال مصطفى

- الوجوه المصرية العادية جدًا صالحة للتجسيد فى أفلام سينمائية

- اقتبست عنوانى كتابى الأخيرين من أغنيتين رائعتين قريبتين من قلبى

- حياتى مليئة بقصص عن الناس ووجوه أسميها «وجوهًا فى الزحام»

لا شىء أجمل من أن يترك الإنسان أثرًا فى حياة الناس.. هذه عقيدة تؤمن بها الكاتبة الصحفية الكبيرة، نوال مصطفى، التى أطلعتنا على صفحات من حياتها وتجاربها عبر إصدارها الجديد «كل دقة فى قلبى»، وهو عمل يحمل بين طياته الكثير من اللحظات الإنسانية العميقة والمواقف التى شكّلت وجدانها ومسيرتها. 

وكما فى كتابها السابق «يا دنيا يا غرامى»، تواصل نوال مصطفى السير بخطى واثقة بين الذكريات والمشاهدات، مقدمة للقارئ نصوصًا نابضة بالحياة، تمتزج فيها العاطفة بالفكر والتجربة بالواقع.

ورغم أن الكتابين يتشابهان فى العنوان والمتن، فإنهما يختلفان فى المضمون، حيث يتناول «يا دنيا يا غرامى» مشاهدات وسفريات وتجارب عاشتها الكاتبة، إلى جانب لقاءات مع فنانين وقراءات متنوعة ألهمتها، يحمل كتابها الجديد طابعًا أكثر خصوصية وذاتية، فى وقت تستعد فيه لمشاريع كتابية جديدة تحمل كل منها رؤيتها الفريدة لعالم الأدب والصحافة.

وفى حوارها مع «حرف»، فتحت لنا نوال مصطفى قلبها وعقلها، وتحدثت عن تجربتها الإبداعية، وكواليس كتابها الجديد، وأبرز المحطات فى مسيرتها، ورؤيتها لمستقبلها فى الكتابة والمشروعات التى تطمح لتحقيقها.

■ كتاباك الأخيران «يا دنيا يا غرامى» و«كل دقة فى قلبى» يحملان عنوانى أغنيتين مشهورتين.. ما سر ذلك؟

- عنوانا الكتابين الأخيرين «يا دنيا غرامى» و«كل دقة فى قلبى» تم اختيارهما اقتباسًا من أغنيتين رائعتين فى تراث أغانينا المصرية الجميلة والتى تعيش فى وجداننا، وأنا أحسست بقرب الأغنيتين جدًا من الكتابين، لأنهما وببساطة يعبران عن المحتوى الذى أحببت وضعه داخل الكتابين، ولأن ما كتبته هو مواقف وتجارب وأمور أخرى مرت علىّ فى حياتى الصحفية والأدبية والإنسانية، فأحببت أن أوثقها فى كتب.

هى ليست سيرة ذاتية بالمعنى الحرفى للكلمة، ولكنها عبارة عن لقطات مختلفة من حياتى، ورأيت أن كل لقطة منها أو كل حوار أو كل سفرة أو كل قراءة فى كتاب أثر فىّ، أو فيلم شاهدته كانت له بصمة فى تكوينى، فأحببت أن أشاركه القارئ العزيز الذى أعتبره أهم شريك لى فى عملية الإبداع.

■ قلت إن سفرة واحدة تغنى عن ألف كتاب.. لماذا لم نر كتابًا يوثق الرحلات التى قمت بها لمختلف دول العالم؟

- كتاب الرحلات هو فعلًا من مشروعاتى المؤجلة، والحقيقة أنا سعيدة لطرحك هذا السؤال، لأننى أفكر فى هذا الكتاب منذ عشر سنوات كاملة، أفكر فى إنجازه، وأعتقد أنه سيكون على رأس أولويات العناوين التى سوف أبدأ التفكير فيها والكتابة حولها، لأننى كما قلت أعتبر أن «سفرة واحدة تساوى قراءة ألف كتاب».

أنت فى السفر تلتقى شخصيات مختلفة، وثقافات مختلفة، وطبيعة مختلفة، وأناسًا يعيشون حياة يمكن أن تكون مختلفة جدًا عن الحياة التى عرفتها أو اعتدت عليها، السفر كنز كبير من المعرفة، والسفر ليست له سبع فوائد فقط، ولكن عشرات ومئات الفوائد، أنا فعليًا تأخرت كثيرًا فى إنجاز هذا الكتاب، وربما يكون هو كتابى المقبل لمعرض كتاب ٢٠٢٦.

■ رغم أن كتاب «كل دقة فى قلبى» يبدو إنسانيًا من خلال رصد تجارب مختلفة.. هل ترين أنك بذلك تنقلين خبراتك للقارئ؟

- بالطبع هو كتاب إنسانى لأن فيه حوارًا بينى وبين القارئ كما ذكرت، ويحتوى على معلومات مهمة وتجارب مهمة، وبالتأكيد أنه من أهدافى أو لنقل إنه هدفى الرئيسى، نقل الخبرات التى عشتها فى حياتى للقارئ العزيز، والذى- كما قلت كثيرًا- أقدره وأشعر بأنه من أغلى كنوزى، أن يكون لدىّ قارئ متابع لأعمالى، فمن حقه علىّ أن أنقل له الخبرات التى تعلمتها طوال حياتى، ولهذا كان هذا الكتاب من الأساس.

■ أبرزت فصلًا خاصًا بنيللى كريم.. لما هذه الفنانة خصيصًا؟

- تربطنى صداقة بنيللى كريم على المستوى الإنسانى، ولأن هناك جانبًا ليس واضحًا فى صورتها العامة، أو الصورة الذهنية لها فى أذهان الناس، وهو الجانب الإنسانى.

«نيللى» فنانة كبيرة وقدمت أعمالًا عظيمة، وجعلتها سوبر ستار فى مصاف النجوم الكبار، ليس فى مصر فقط ولكن فى العالم العربى أيضًا، أما عن جانبها الآخر فهو الجانب الإنسانى فى نيللى كريم والذى لا يعرفه إلا من اقتربوا منها، وأنا اقتربت منها، فقد حدث أن تقابلنا فى سجن القناطر قبل أن ينتقل لوادى النطرون، وكانت تشارك فى حفل عيد الأم هناك، وشاركنا النساء السجينات الحفل، وشاركت هى فى لقاء السجينات بأطفالهن، وهذا يوم من الأيام الغالية علينا، ووزارة الداخلية ومصلحة السجون تحرصان على أن الأمهات حتى لو كن خلف القضبان فمن حقهن الإنسانى لقاء أطفالهن فى يوم عيد الأم، هذا عن الأطفال الكبار فقط، لأن الأطفال الأقل من عامين فيكونون مع الأمهات داخل السجن.

والحقيقة رأيت نيللى كريم، وكيف كانت متحمسة لجمعية أطفال السجينات التى أنشأتها، وكيف أنها كانت محبة للمشاركة بشكل كبير فى الدفاع عن حقوق السيدات السجينات وتشجيعهن فى أنهن ستكون أمامهن فرصة للحياة تفتح أمامهن أبوابًا للرزق وأبوابًا للحياة، وتطوى الصفحة المؤلمة فى حياة اللواتى تعرضن للعقوبة وسلبت منهن حريتهن بعقوبة السجن.

نيللى كريم بداخلها جانب إنسانى رائع، وقلب كبير جدًا، والحقيقة اتفقت مع نيللى كريم على عدد من الخطوات ستقوم بها كسفيرة معنا، لفكرة ورسالة جمعية أطفال السجينات، وهى الجمعية التى منحتها عمرى كله.

■ قلت إن الموهبة تكمن فى الاختيار وضربت مثلًا بعادل إمام فى أنه يحسن اختيار أدواره.. فى رأيك هل هذا ما جعله على مصاف النجوم لعقود؟

- بالطبع، النجم الكبير عادل إمام ليس فقط «سوبر ستار» مصرى، وإنما نجم عالمى فى رأيى لأنه استطاع الحفاظ على عرش القمة وجلس عليه طويلًا إلى أن تجاوز السبعين من عمره، وحتى بعد أن وصل للسبعين كان يؤدى أدوارًا مؤثرة للمشاهدين ويعيشون معها، وتخلد فى وجدانهم.

عادل إمام مشوار كبير وطويل نفتخر به كلنا، وله أعمال رائدة سواء فى السينما أو المسرح أو الدراما التليفزيونية، ستظل هذه الأعمال تعيش معنا طويلًا، ومع أجيال كثيرة جدًا، حتى التى لم تعاصر وجوده أثناء مشواره، تشاهد أعماله وتعيش معها.

عادل إمام له مواقف ضد الإرهاب وضد الأفكار الظلامية وكان شجاعًا جدًا فى الدفاع عن هذه المواقف، سافر لأسيوط بالرغم من أنه كانت هناك احتمالية لاغتياله، وعرض مسرحيته هناك لكى يؤكد أن هذا هو الفن المصرى والقوة الناعمة للدولة المصرية، والتى لا يمكن أن تستسلم للأفكار المتطرفة والظلامية التى تريدنا أن نرجع فى الزمن لمئات السنين، لذلك هو ليس موهبة عظيمة فقط ولكن هو فنان شامل بمعنى الكلمة، ومثقف ومدرك لدور الفنان فى المجتمع، وهو التغيير والتنوير وعدم انصياع لأفكار تجر هذا المجتمع للخلف، فكان لا بد من تناوله وأن أتحدث عنه فى كتابى لأننى أيضًا جمعتنى به لقاءات عدة، وكان دائمًا حديثًا جيدًا يؤكد لى دائمًا أنه إنسان فوق العادة، وشخصية استثنائية وتجربة مصرية تستحق أن تُروى وأن تعرفها الأجيال كلها.

■ أوردت فى كتابك نماذج مصرية رائدة لكنك وصفتها بالعادية.. ماذا عنها؟

- حقيقى، تحدثت عن شخصيات عادية جدًا، شخصيات من قلب المجتمع المصرى، من ملح هذه الأرض، ولكن كل قصة لهؤلاء السيدات كانت شيقة، قصة «صبرية» و«فاطمة» مثلًا.

وحياتى مليئة بقصص عن الناس، ووجوه أسميها وجوهًا فى الزحام، أى أنها وجوه مصرية بسيطة جدًا ولكن كل وجه من هذه الوجوه وراءه قصة كبيرة من كفاح وأمل وصبر وجلد، وكيف أنهن تحملن الظروف لأن لديهن الرغبة فى الحياة وكل الحب لهذه الحياة.

الوجوه المصرية العادية جدًا التى نقابلها كل يوم فى الزحام ومن الممكن أن يكون كل وجه فيها يصلح كموضوع كامل لفيلم سينمائى طويل، فيه كل دراما الحياة، لهذا أنا أختار فى كل كتاب نماذج ممن قابلت من هذه الوجوه وحاورتها وعرفت كيف تجسد عظمة الشعب المصرى والشخصية المصرية والمرأة المصرية على وجه الخصوص.

وأنا أعتز جدًا بحواراتى مع شخصيات كبيرة ومعروفة، مثل نجوم السينما المصريين، ولكن لدىّ مخزون إنسانى يشمل الجميع؛ المشاهير والبسطاء على حد سواء. وبطبيعتى، أميل إلى الانحياز للبسطاء، وقد خصصت جزءًا كبيرًا من حياتى لهذه المحبة، خاصة للفقراء الذين لا صوت لهم ولا سند.

وهذه القيم تعلمتها منذ صغرى من أهلى، ومن أستاذى الكبير مصطفى أمين عندما انضممت إلى جريدة «أخبار اليوم». فعلمنى أن أكون صوتًا لمن لا صوت له، وأن يكون قلمى مدافعًا ومحاميًا عن الذين لا يملكون القدرة المادية أو الإنسانية للدفاع عن أنفسهم، لذلك، حرصت على أن أضمّن جزءًا من حكايات هؤلاء البسطاء الذين أحبهم فى كتابى. 

وكل هذه الأفكار والمشاعر هى جزء منى، وهى تعكس قلبى بصدق. العنوان يعبّر عن مضمون الكتاب بوضوح، فكل الحكايات التى وردت فيه هى من صميم قلبى، وكل حكاية منها تمثل نبضة من نبضات قلبى.

■ أنتِ منفتحة على الكتابة عن النماذج الرائدة.. هل معنى ذلك أنك قد تكتبين جزءًا جديدًا من هذه السلسلة؟

- أعتقد أنه سيكون هناك كتاب ثالث ينتمى إلى نفس النوعية، خاصة بعد النجاح الذى حققه الجزءان الأول والثانى وردود الأفعال الإيجابية حولهما. لكننى أواجه مشكلة تتمثل فى وجود أكثر من فكرة على قائمة كتبى لهذا العام. من بينها كتاب الرحلات الذى ذكرته فى سؤال سابق، بالإضافة إلى كتاب آخر كان من المفترض أن أنجزه، وهو يدور حول فكرة «الصفحة البيضاء» للسيدات الفاضلات اللاتى قضين عقوبة السجن، ثم خرجن ليواجهن سجنًا أكبر: سجن الوصمة المجتمعية من ناحية، وسجل الحالة الجنائية الذى لم يُمحَ من ناحية أخرى. فى الحقيقة، أنا من خلال عملى فى جمعية أطفال السجينات، تبنيت فكرة «الصفحة البيضاء» التى تهدف إلى محو السابقة الجنائية الأولى من سجلات السجينات السابقات. وأرغب فى توثيق هذه الفكرة أدبيًا وفكريًا فى كتاب جديد، لأننى أؤمن بأنه يجب أن يكون هناك قدر من التسامح من جانب المجتمع والإدارة والنظام تجاه السجين السابق، أو بشكل أكثر تحديدًا، السجينة السابقة، خاصة إذا كانت جرائمها لا تشكل انتهاكًا للشرف. فوجود سجل جنائى يعوق فرصهن فى الحصول على قروض من البنوك، أو إدارة مشروعات صغيرة، أو الالتحاق بوظائف، بل ويؤثر حتى على فرص أطفالهن فى الالتحاق ببعض المدارس أو الجامعات العسكرية التى تتطلب البحث فى تاريخ العائلة. هذه الموضوعات الثلاثة تحتل مكانًا على أجندتى الأدبية للكتب المقبلة، ولكننى أتساءل: أيها يجب أن يكون الكتاب المقبل؟ لا أعرف بالضبط، لكن هناك دائمًا حالة معينة تجعل فكرة كتاب ما تتدافع إلى ذهنى وتلح علىّ لكتابتها، وكأنها هى من تريد أن تأخذ الأولوية، بينما تنتظر الأفكار الأخرى دورها حتى يكتمل هذا المشروع، فأى منها سيكون الكتاب المقبل؟ الوقت وحده من سيحدد ذلك.